قال : مقتك لها من معرفتك بها ، وندامتك عليها دواؤها . . فإذا نظرت إلى عثرة غيرك فاذكر عثرتك ومقتك لنفسك ، ولو أن مصلحة النفس ومنفعتها كانت فيما تهوى أو تشتهي ، لكان الناس كلهم صالحين ، ولكن جعل صلاحها فيما تكره ، وفسادها فيما تحب وتشتهي .
أما إنها لا تكره الصلاح والخير ، ولكن تكره المكروه الذي به تنال الصلاح والخير . . . ولو أمكنها درجة الأبرار بأعمال الفجار لقبلتها . . فأما الشر فإنها تحبه ، وتحب خصاله وطرائقه ، وكل شيء منه .
ومن محاسبتك لها : أن تخلو بها ؛ وتردّ عليها فعالها ، فتقول : يا نفس . . إنك لا تقدرين أن تخادعي اللّه ، ولا تغالبيه ، فلا تقبلي مخادعة الشيطان ، ولا مغالبته ، ولا تبتغي هواك ، فيرديك ويهلكك .
وإني لست أحملك على ما لا طاقة لك به ، ولا علم لك فيه ، وإني أراك تحب لنفسك ما تمقت عليه غيرك ، وتكره لنفسك ما تحب عليه غيرك « 1 » .
قمة الخداع النفسي وحقيقة التوسل بالصالحين :
أراك تحب أهل التواضع والصدق والأمانة ، حتى لو رأيت قبورهم وآثارهم لأحببتها فيما تزعم ، وتكره خصالهم التي بها نالوا الحب منك . . . حتى لو قدرت أن تكون في أعدى عدوك بعد أن تزول عنك لكان ذلك منيتك .
فإما أن تكون تريد مخادعة اللّه إذ علمت أنه يطلع منك على ذلك . . وإما أن تكون لا تحسن أن تطلب الخير .
يا أخي . . . إن الجائع يحب الخبز ، وإن العطشان يحب الماء ، ولو جعل الخبز والماء بين أيديهما على مائدة ، أو علق في أعناقهما ، ما نفعهما علمهما بأن الخبز والماء معهما ، ولا ينفعهما قربهما منهما ، دون أن يأكلا من الطعام ويشربا من الشراب .
وهكذا أنت . . . لا ينفعك علمك بالخير ، ولا قربه منك ، ولا حبك له ، حتى يكون
هامش
( 1 ) النظرية النفسية التي يركز عليها المحاسبي هي : أن الخداع النفسي لا يمكن ان ينكشف لصاحبه إلا إذا نظر إلى غيره . . . أما أن يكتشفه في ذاته دون أن يكتشفه في غيره فهو عسير . . ولهذا قال : إن الإنسان عند معرفة عيبه أبله وعند معرفة عيب غيره جهبذ . وعند التماس العذر لغيره أبله وعند التماس العذر لنفسه جهبذ . وينبه إلى أن الإنسان حين يكتشف عثرة من غيره يجب عليه ان يعود إلى نفسه على الفور ليكتشف نفس العثرة في نفسه . . ومن هنا كان علاجه لهذه الظاهرة قائما على عدم التماس العذر لنفسه ، وعلى التماس العذر للغير ، وذلك حتى لا يتعاظم خداع النفس لصاحبها ، وحتى لا يفقد الأمل في الرجوع عليها بالاصلاح والتفتيش .