وقال : من القليل ما يعتبر به الكثير . . . وإن أهل الدنيا إذا أرادوا أن يعملوا شيئا بدأوا بالطلب ، فطلبوا أداة ما يعمل به ذلك العمل ، وإلّا فلا سبيل لهم إلى ذلك العمل البتة .
ولو اجتمع أهل الدنيا كلهم ، ومعهم أداة كل صناعة ، هل قدروا أن يثقبوا إبرة إلّا بأداتها التي هي أداتها ؟ وهكذا جميع الأشياء .
هل رأيت بيطارا قط قدر على صناعته بأداة خياط ؟
أو قدر الخياط على صناعته بأداة البيطار ؟
وهكذا كل عمل . . لا يقدر الحداد على عمله بأداة النجار . . ولا النجار بأداة الإسكاف .
وهكذا أعمال الآخرة . . لا يقدر عليها إلّا بأداتها . . وأصل أداة أعمال الآخرة : العلم والمعرفة والاعتبار ، فإنها من دلالات الأداة .
حب الدنيا رأس كل بلاء :
ويروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « حبك الشيء يعمي ويصم » « 1 » .
ويروى عن عيسى عليه السلام أنه قال : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » .
وأنفع ما عالج به المؤمن في أمر دينه : قطع حب الدنيا من قلبه ، فإذا فعل ذلك هان عليه ترك الدنيا « 2 » ، وسهل عليه طلب الآخرة . . ولا يقدر على قطعه إلّا بأداته . . أما إني لا أقول : أداته الفقر ، وقلة الشيء ، وكثرة الصيام والصلاة والحج والجهاد ، ولكن أصل أداته :
الفكر ، وقصر الأمل ، ومراجعة التوبة والطهارة ، وإخراج العز من القلب ، ولزوم التواضع ، وعمارة القلب بالتقوى ، وإدامة الحزن ، وكثرة الهم بما هو وارد عليه .
وما أكثر من يعمل هذه الأعمال التي وصفنا « 3 » وحب الدنيا في قلبه زائدة ، وكثير من الناس من لا يكثر من هذه الأعمال وحبه للدنيا في نقص . . لأنه أخذه من وجهة : أن
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن الحسن مرسلا .
( 2 ) يريد بالترك : ترك الحرص عليها ، واعتبارها وسيلة لا غاية . . وقد عارض المحاسبي في كتاب « المكاسب » رأي من يقول بترك الكسب ، ومذاهب من يرون العيش على اللقاط أو على ما تنبته الأرض من العشب وأيد القول بالكسب والانفاق في سبيل اللّه مع عدم الحرص .
( 3 ) يريد بالأعمال ، الفقه ، وكثره الصيام والصلاة والحج والجهاد . . وهو يقول في أعمال القلوب والجوارح « وكم من فقير حريص ، وكم من غني زاهد . . » فالمسألة راجعة إلى عقدة القلب على الحب للدنيا أو انحلال هذه العقدة .