بالتواضع عند ذلك منزلة بين الناس . . فتوقّف عند ذلك كله ، وفاتش الهمة « 1 » .
واعرف صمتك عند الخوف من سقوط جاهك عند من لك عنده الجاه والقدر .
واعرف صدقك عند الحالة التي يتصنع ويتزين في مثلها المتزينون والمتصنعون .
واعرف نصحك عند حبك لنفسك ولصديقك وعدوك ، حتى تعلم : هل تحب لغيرك ما تحب لنفسك أم لا ؟
واعرف صبرك عند ترك شهوة قد ملكها ، هل تستطيع تركها على ذلك أم لا « 2 » ؟
واعرف ورعك عند الحالة التي استمكنت منها ، هلى تستطيع الوقوف عندها إذا التبست عليك أم لا ؟
واعرف عقلك عند ترك ما لا نفع لك فيه في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا ثواب لك فيه عند اللّه تعالى ، هل تستطيع ترك ذلك أم لا ؟
واعرف أمانتك عند هواك في الوقت الذي تهواه ، هل تضبط أداء أمانتك في ذلك الوقت أم لا ؟
واعرف طمعك في وقت هيجان رغبتك ، هل تستطيع عند ذلك الإياس أم لا « 3 » ؟
فإن كنت في هذه الحالات والأوقات محمودا فما أحسن خيرك ، واحمد اللّه . . .
واسأله الزيادة من فضله ، وامض فإنك على سبيل الاستقامة ، وطريق المحبة ومحجة الإيمان .
وإن كنت في هذه الحالات مذموما ، فأخلاقك وسيرتك أولى بك أن تصلحها ، فإن فيك فسادا عظيما ، ولست على سبيل الاستقامة ، ولا على طريق المحبة ، ولا محجة الإيمان .
فاتق اللّه . . وراجع مفاتشة نفسك ، وإصلاح فسادها .
قلت : يجيء مني في بعض أحوالي ما أمقت نفسي عليه ، وتشتد عليه ندامتي .
هامش
( 1 ) يريد أنه ليست العبرة بظاهر العمل ، وإنما العبرة بالهمة والنية التي بعثت على العمل . . كالتواضع الذي تبعث عليه الرغبة في إكراه الناس . . والتواضع عند جفاء الناس لثبوت المنزلة . . ومثله ما ذكره المحاسبي في الوصايا : الزهد في الدنيا لتساق اليه الأموال ، أو ليأخذها من الناس في نفس المجلس .
( 2 ) على هذا فالصبر على المصيبة الواقعة ليس مقياسا صحيحا لمعرفة الإنسان لصبره ، لأن المصيبة واقعة بالفعل . . وقد يشتبه الصبر الجميل عندها بالتصبر . . أما الصبر على الشهوة التي يملكها الإنسان فهو المقياس الصحيح ، لأنه ترك لمحبوب مملوك .
( 3 ) يعني هل تستيطيع الاياس مما طمعت فيه أو ممن طمعت فيه أم لا ؟ .