يلزم نفسه الفكر ، ويقصر عليه من الأمل ، ولكن الأشياء من حيث أباحها اللّه ، فيضعها حيث أمره اللّه ، ويلزم قلبه ذكر قرب مفارقتها ، ومفارقة ما فيه وما يصير اليه من الشدائد ، من القبر ، والوقوف بين أيدي اللّه عز وجل ، وطول الحساب ، ولا يدري في أي الصنفين عدده ، ولا في أي الزمرتين اسمه ، أفي الذين يحشرون إلى الجنة زمرا ، أم في الذين يحشرون إلى جهنم وردا .
وتفكر في ذنوبه التي لو أخذ أهل الدنيا بذنب منها لهلكوا . . وطول خلود أهل النار في النار .
وأشد من ذلك غضب اللّه على أهل النار .
ولما يخاف أن يفوته من رضى اللّه عن أهل الجنة .
ويقل الفكر في الدنيا وفي نعيمها . فإن القلب مع الفكر يحيا إن كانت الفكرة في الآخرة ، ويموت إن كانت الفكرة في الدنيا .
وقال : وما على العبد أن يعزم على أن يجعل حظه من بقية عمره في الدنيا ما كان من جاه أو ثناء أو محمدة من الناس أو قدر عندهم ، وما كان من فضول النعمة فيها ، فيعزم على أن يجعل ذلك كله لأعدى عدوّ له ، ولأحسد حاسد له ، لا يقسم على أقاربه وأصدقائه منها شيئا ، بعد أن يرجو أن يكون ذلك كله فكاكه من النار ، حتى لو دعي إليه ، وحبس في الحبس الضيق ليقبله لم يقبله ، واختار الحبس عليه ، ولحذره ونفر منه ، كما كان يطلبه قبل ذلك .
فلعمري لو لم يكن فيه إلّا ما يرجو أن يدرك به صلاح ما أفسد فيما مضى من عمره فليصلحه ، وليتخلص مما مضى ، ويجعل الحزن والهم وقلة ملاقاة الناس « 1 » عدّة له ، مع الدعاء والتضرع ، ويجعل الموت نصب عينيه ، ويستعين بسرعة الخروج من الدنيا ، فما أهون ( عند ) من نزل منزلا وهو يريد الارتحال منه تركه لجاره ، وما أقل شفقته عليه . . . وما أشفق من نزل منزلا وهو يريد المقام فيه ، وأحرص على عمارته . .
جماع صلاح النفوس :
وقال : إن الناسك إن لم يقبل الحكمة ولا الموعظة ولا النصيحة من العدو والصديق ،
هامش
( 1 ) ليس هذا الانعزال مذهبا للمحاسبي في الحياة . . وإنما هو مذهب له في حال العلاج النفسي فقط ، حتى يستكمن من قلبه الصلاح ، ويزول عنه ما كان قد عقد عليه قلبه من حب الدنيا والجاه فيها . . وبعد ذلك فلمخالطة الناس قوانين وقواعد يلتزمها المسلم حتى يحافظ على سلامة قلبه ونفسه . . وقد فصل هذه القواعد بأحكامها في كتاب الرياء من « الرعاية لحقوق اللّه » ص 177 - 356 .