مراجعة النفس
كيف يعرف الإنسان سلامته من الآفات :
قلت : إني أرى من الناس أشياء يعاب مثلها ، وأحب أن أسلم من التّعيير والازدراء والعيب ، فلا أدري أسلمت منه نفسي أم لا .
فقال : إن الإنسان عند معرفة عيب نفسه أبله ، وعند معرفة عيب غيره جهبيذ ، فيحتقر عيب « 1 » أهل كل صناعة ، وأهل كل عمل من أعمال الدنيا والآخرة ، ويحتقر عيب « 2 » من هو في مثل مرتبته ، ويستعظم ذلك من كل من رآه منه ، فإذا أتى على عيب نفسه جازه « 3 » إلى عيوبهم كأنه أعمى عنه لم يره .
وهو يطلب العذر لنفسه ، ولا يطلبه لغيره ، فهو في طلب عذرها جهبيذ ، وفي طلب عذر غيرها أبله . . . وهو يضمر عند ذلك لصاحبه ما يكره أن يضمر له غيره لو رأى منه مثل ذلك العيب « 4 » .
فإذا رأيت عيبا أو زلة أو عثرة من غيرك ، فاجعل نفسك مكانه ، ثم أنظر الذي كنت تحب أن يستقبلك به لو رأى منك مثل الذي رأيت منه ، وأضمر ذلك له في نفسك ، فإنه يحبّ منك مثل ما كنت تحبه منه .
وهكذا إذا رأيت ما يستحسن ، فأردت أن تعرف علم السلامة من الحسد له « 5 » .
وبالحريّ أن يكون أخفّ الناس عليك عند الزلة من يطلب لزلتك عذرا ومخرجا ، فإذا لم يجد للعذر موضعا ساءه ذلك ، وأخفى مكانه « 6 » . وعند حسنتك يسرّ ، فإن لم يسرّ لم تسؤه .
فهكذا فكن لهم عند الزلة وعند الحسنة . فإذا كنت كذلك فلا تحب إزالة نعمة أنعمها
هامش
( 1 ) في الأصول ( فلا يحتقر ) خطأ .
( 2 ) في الأصول ( ولا يحتقر ) . خطأ .
( 3 ) جازه : تركه ولم ينتبه اليه .
( 4 ) مثال ذلك مما هو شائع أن ينظر عبد الهوى والنفس إلى رجل كان مقيما على ذنب تاب منه على أنه مذنب عاص مدى حياته ، وربما كان هذا العبد مقيما على أشنع من هذا الذنب بينه وبين نفسه .
( 5 ) علم السلامة من الحسد هو : النصح للمسلمين . وهو أن تحب ان يكون خيرا منك ، وأن تسر له ، لأنه يكثر العاملين بالخير ، ويكثر صلحاء المسلمين .
( 6 ) يعني : وكذلك من أخف الناس عليك من إذا لم يجد لزلتك عذرا استاء في نفسه ، واخفى زلتك كما تخفيها أنت .