تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
ومن الناس من يعلم فتن الأعمال ومبطلاتها ، ثم يغلبه الهوى ، ومنهم من يعلم وتقل عنايته فيغفل . واعلم أن الذي يعمل وقد علم الآفات التي تفسد الأعمال ، ومعه العناية بنفسه وعمله ، ومعه التيقظ وإزالة الغفلة ، وهو مع ذلك مشفق خائف من الآفات ما يكاد يسلم إلّا من عصم اللّه تعالى ، فكيف الذي يجهل ويغفل ، ويغلبه الهوى ، ويحب دخول الآفة ؟

شمول الفتنة وخطرها :

وقد طلبت الدنيا في زماننا خاصة بكل جهة : بالبر والإثم جميعا افتتانا ، فاحذر فتنة البر والإثم جميعا ، لئلّا ينزل بك ما نزل بغيرك في الترك والطلب . فلتكن همتك في النظر في مرآة الفكر كالهمّة بالعمل « 1 » ، وأكثر من ذلك ، فإنه ليس شهوات الذنوب والسيئات ، وشهوات المطاعم والمشارب والملابس والبناء والمراكب والمناكح والذهب والفضة بأغلب على أصحابها من شهوات الجاه وحب الرئاسة ، وإقامة القدر ، واتخاذ المنزلة ، وقبول الأمر والنهي ، وقضاء الحوائج ، وحب العدالة عند الجيران والأصحاب والإخوان ، والمدحة على أصحاب البر في حسناتهم . وقد تجد الرجل يغلب شهوة الذنب ، فيترك الذنوب ، ويصير إلى أعمال البر ، فيضعف عند تصفيتها ، وتغلبه شهوة ما فيها ، فيعمل حسنات كثيرة بقوة واقتدار عليها ، وظمأ شديد وسهر ، فلا يقدر على أن يغلب شهوته على تصفيتها « 2 » ، فإنّا للّه وإنا إليه راجعون مما قد نزل بنا ، وما أعظم خطرنا ، وما أغفلنا عن عظيم الخطر ! !
هامش
( 1 ) يريد بالفكر : متابعة الخواطر المصاحبة للعمل ، ووجوب مراقبة هذه الخواطر ، وتصفيتها كما يراقب العمل ويصححه . وأصل المراد من هذه المراقبة : أن تكون إرادة العمل خالصة للّه وحده ، وأن يكون تمام العمل وآثاره راجعا إلى اللّه لا إلى قوة العامل . وانظر ( الوصايا ص 66 ، 72 ، 78 ، 85 ، 100 ، 102 ، 113 ) . ( 2 ) يريد أن العامل لا يستطيع أن يغلب شهوته على تصفية الأعمال من شهوات القلوب التي ذكرها وشيكا ، وهي : الجاه وحب الرئاسة وإقامة القدر واتخاذ المنزلة وغيرها . وقد تطورت هذه الظاهرة في عصرنا إلى أن من لا يحسن الوضوء ولا الصلاة صار يطلب هذه المنازل والمقامات ، ويغضب أشد الغضب إذا لم يقر له الناس بما يريد . . وأعرف في مصر أسرة بأكملها مصابة بهذا الداء الخطير . . ومثل هؤلاء أشد خطرا على الإسلام ممن عناهم المحاسبي رحمه اللّه .
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 58 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا