كيف يهلك العبد بأعمال البر :
يقال : إنها أعمال من البر كانوا يرون أنها منجّيتهم ، فكانت هي مهلكتهم ، لما مازجها من الرياء وحب المحمدة من المخلوقين ، واتخاذ المنازل بالطاعات ، وإقامة الجاه ، وحب القدر ، والميل إلى ثواب المخلوقين .
فلما وردوا على اللّه عز وجل وجدوه قد أحبط أعمالهم وهم لا يشعرون ، لأنهم كانوا قد تعجلوا ثواب أعمالهم من المخلوقين في الدنيا ، فافتضحوا ، وفضيحة ما هناك باقية ، ولم يجدوا من ثواب أعمالهم إلّا كما وجد صاحب السراب وصاحب الرماد « 1 » .
فليس اسم الأعمال يراد ، ولا تزيين ظاهرها ، ولكن تقوى اللّه ، وما يقرّب إليه زلفى ، فليت بين العبد وبين كل عمل يباعد من تقوى اللّه ومن اللّه بعد المشرقين .
قال اللّه تعالى حكاية عن إبليس العدو الخبيث :
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ
« 2 » فلو لم يكن في الكتاب من صفات إبليس إلّا هذا قد كان ينبغي للناس أن يحذروه .
ولو نظرت في أكثر الناس لوجدت أن أكثرهم إنما يؤتى من قبل البرّ ، وقلة العناية بتصفية الأعمال ، وما قد إستحلت النفس من حب المحمدة من المخلوقين .
وقد يؤتى قوم كثير من قبل الآثام ، إلّا أن علامة الفتنة في الناس جميعا مختلفة . وأكثر الناس إنما يعرفون من قد فتن بالآثام ، ولا يعرفون من فتن بالبر ، إلّا القليل من الناس « 3 » ، من أهل النور والفطن والفراسة والتوسم والكياسة .
وذلك : أن الذي يعمل بأعمال البر وهو يحب فتنتها أكثر من الذي يخاف فتنتها ، والذي يجهل فتنتها أكثر من الذي يعلم فتنتها .
هامش
( 1 ) يشير بصاحب السراب إلى قوله تعالى :. . . كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاًسورة النور . ويشير بصاحب الرماد إلى قوله تعالى :مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍإبراهيم آية 18 . والحاصل في كلا الحالين : أن الأعمال تصبح هباء منثورا .
( 2 ) سورة : الأعراف ، الآية : 17 .
( 3 ) وتصديق ذلك قوله تعالى :وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةًالأنبياء آية 35 . وعلامة الفتنة بالخير منها ما هو ظاهر ، ومنها ما هو خفي ، فالظاهر مثل : الرياء بالعمل ، والمسارعة إليه في العلانية دون السر . وأما الخفي فكالتواضع كبرا . إذ بتواضع العبد وهو يخفي في باطنه إرادة التعزز على الناس والشهرة بالصلاح . وكالزهد في الظاهر رغبة في جمع الدنيا من الباطن ، حيث يظهر الزهد لتساق اليه الأموال لتفريغها في ذوي الحاجات ، فيأخذها لنفسه . . ويقول المحاسبي في هؤلاء : « يزهدون الناس في الدنيا ليأخذوها منهم في المجالس » .