فإذا دخلوها جاءت الفتنة ، من التحاسد بعضهم لبعض ، وطمعهم فيما يرجون من السهام ، وطمعهم في الحملان « 1 » ، وما يجعل للناس في سبيل الغزو .
ولقد سمعت رجلا من المذكورين من أهل الغزو ، وممن له غناء عند لقاء العدو ، واسم عظيم في المطوعة « 2 » ، ويقول : الخيل قد خرجت ، ولم يقض لي الخروج فيها ، أما السلامة فأحب أن يسلموا ، ولكني أكره أن يغنموا وليس أنا فيهم « 3 » .
ولقد رأيت من يغار على ما يقوى به بعض الغزاة حيث لم يعط هو وأعطي غيره ، كما يغار الرجل على بعض حرمه . ولقد رأيت من غزا ولم يغنم ، ودّ أن لم يكن غزا .
ولا يؤمن يا أخي على كل من دخل في عمل من أعمال الدنيا والآخرة جميعا إذا لحقتهم في عملهم الآفات التي تفسد الأعمال ، أن يدخل عليهم الشيطان « 4 » فيها من العيوب والفتن مثل هذا وأكثر من هذا .
فليحذر الرجل على كل عمل يعمله من أعمال الدنيا والآخرة ، وليراقب اللّه فيه ، ويعامله بضمير خالص ، ويحذر اطلاع اللّه على فساد ضميره ، ويحذر اطلاع المخلوقين على عمله ، فإن كناس الحشوس أكرم من هذا الصائم وهذا المصلي وهذا القائم وهذا الغازي الذي يكره أن ينال المسلمون من غنائم الروم ، والجالس في بيته ببغداد يحب أن يغنموا منهم .
فاحذر رحمك اللّه من قرب منك وقربت منه ، فإن الذين بعدوا منك وبعدت منهم سلموا منك وسلمت منهم .
يود أقوام غدا أنهم لم يكونوا سمعوا بآذانهم كثيرا من أعمالهم التي هي في رأي العين يرجى لصاحبها عليها الثواب الجزيل ، والدرجات الرفيعة ، ويغبطون من لم يكن عمل مثل ما عملوا كثيرا من حسناتهم ، وبدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحسبون .
هامش
( 1 ) الحملان : ما يحمل عليه الغازي من الخيل أو الإبل والأموال .
( 2 ) المطوعة : فرق من الغزاة ينظمها المتطوعون من الشعب ، من غير الجيش الرسمي . . وكانوا فيما مضى من أهل الفتوة والشطار . . ودخل في المطوعة فيما بعد فرق من اللصوص والعيارين وغيرهم . انظر ( النجوم الزاهرة 8 / 5 ، 108 ، 109 . وانظر الحياة الاقتصادية في المدينة الإسلامية للدكتور عبد الحميد العيادي ، دراسة منشورة في عالم الفكر مجلد 11 عدد 1 ) .
( 3 ) هنا تظهر خبرة المحاسبي بطبقات الشعب في مجتمعه . وكذلك انظر خبرته بمجتمع التجار في أعمال القلوب والجوارح ص 125 ومجتمع العلماء في الوصايا ص 153 وما بعدها .
( 4 ) في الأصول ( وأن يدخل عليهم الشيطان ) . وقد حذفنا الواو ليستقيم المعنى .