فإنك من لم يعرفك من أهل زمانك ولم تعرفه ، ولم تسمع به ، كأنك لم تبتل بهم ، وكأنهم لم يبتلوا بك ، وكأنهم لم يكونوا من هذه الدنيا التي أنت فيها .
فارجع في صبرك إلى اللّه ، واستعن به ، وانقطع إليه ، واستأنس بذكره ، وأقلل من الخلطاء ما استطعت ، بل اترك القليل أيضا تسلم ، لقول اللّه تعالى :
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً .
« 1 » فاهرب من الفتنة .
فرجع صبرك إلى معارفك ، ومن أنت بين ظهرانيهم ، فنظرك إليهم فتنة ، ونظرهم إليك فتنة « 2 » ، وكلامك معهم فتنة ، وكلامهم معك فتنة ، وجفاؤك لهم فتنة ، وجفاؤهم لك فتنة ، وكرامتهم لك فتنة ، وكرامتك لهم فتنة لك .
واعتبر من ذلك بموضع تمرّ فيه ، فيه معارفك ، وموضع تمرّ فيه ، ليس فيه أحد يعرفك .
وهكذا شهوات المطعم والملبس ، وشهوات العين ، ما يحل النظر إليه ، وما لا يحل النظر إليه ، مما كان من ذلك في غير البلدة التي أنت فيها ، فأنت منها سليم ، وفتنتها مصروفة عنك إن شاء اللّه تعالى ، لأن مؤنتها ساقطة . . . وهكذا أنت في جميع أمورك .
الابتلاء في العمل :
وعملك الذي تعمل ، إنما هو فتنة ، أنت فيه تريد أن توقى « 3 » أعين الناس ، وأكثرهم من يعرفك بالخير ، فأعمالك لك فتنة .
إن حججت فكنت خاليا ليس معك من يعرفك بالخير وتعرفه كان أسلم لك ، وإلّا فهو فتنة ، فانظر كيف تسلم منها .
وإن خرجت من بلدة أنت فيها معروف بالخير ، فخرجت منها وهم لا يعلمون أين تريد ، فهو أسلم لك ، وإن علموا فهو فتنة ، فانظر كيف تسلم منها .
وكذلك الغزو ، وبلوى أهل الغزو ، وما ينوبهم في مغازيهم من الفتنة والبلية أعظم من بلية غيرهم ، من الذين يعملون أعمال البر . وهم قبل أن يدخلوا في هذه الأشياء في عافية ،
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 20 .
( 2 ) ليست هذه دعوة إلى السلبية والعزلة ، لأن المؤلف نفسه لم يكن سلبيا . . إنما هي سلبية ضد الفتنة ، بأن يعاشر الناس دون أن يتأثر بالمدح والذم منهم ، وقد يبين المحاسبي مذهبه في هذا الموضوع بتوسع في ( الوصايا ص 125 - 150 ) فمن أراده فليراجعه فإنه مهم جدا .
( 3 ) في أ ( أنت فيها تريد أن توقي فيها ) . وقد حذفنا كلمة ( فيها ) الأخيرة لعدم فائدتها .