تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤

سياسة النفس

فإذا أنت عرفت الحق ، فأقررت به ، ودلّك الحق على أن للّه عليك مع الفرائض الظاهرة فرضا باطنا ، هو : تصحيح السرائر ، واستقامة الإرادة ، وصدق النية ، ومفاتشة الهمة ، ونقاء الضمير ، من كل ما يكره اللّه ، وعقد الندم على جميع ما مضى من التّوائب بالقلب والجوارح على ما نهى اللّه عنه . وهذا أمر جعله اللّه مهيمنا على أعمال الجوارح . فما كان من أعمال العبد من عمل ظاهر قوبل به من الباطن ، فما صح ووافق باطنه صلح ، وقبل ظاهره ، وما خالف وفسد باطنه ، ردت عليه أعمال ظاهرة وإن كثرت ، وخسر ظاهرها لفساد باطنها . ويحقق ذلك كله قول اللّه تعالى :
وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ .
« 1 » وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما العمل بالنية ، وإنما لا مرىء ما نوى » « 2 » . وقوله : في ابن آدم مضغة إذا صلحت صلح سائر جسده ، وإذا فسدت فسد سائر جسده » يريد عمله . « ألا وهي القلب » « 3 » . وقوله : « إن الملك ليكثّر أعمال العبد بعد وفاته عند اللّه تعالى ، فيقول : عبدك لم أزل معه حتى توفيته » ثم يذكر محاسن عمله ، فيكثرها ويطيبها ، ويحسن الثناء عليه . فيقول اللّه تعالى : « أنت كنت حفيظا على عمل عبدي ، وأنا كنت رقيبا على قلبه ، وإن عمله الذي كثّرته وطيّبته لم يكن لي خالصا ، ولست أقبل من عبدي إلّا ما كان لي خالصا » « 4 » . فاعرف يا أخي نفسك ، وتفقد أحوالها ، وابحث عن عقد ضميرها ، بعناية منك وشفقة
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية 120 . والآية دليل على مؤاخذة العبد بالآثام القلبية . . . كما يؤاخذ بآثام الجوارح . وقد تكون العقوبة بإبطال ثواب العمل ، كما في حالة الرياء . . . وقد تكون العقوبة قائمة بذاتها كما في الحسد ، والنفاق ، والاصرار على الذنب . ( 2 ) حديث : « إنما العمل بالنية » ، أخرجه البخاري في الإيمان 1 / 21 ، والنسائي في الطهارة 1 / 58 ، 59 ، ومالك في الامارة 1552 - وتمامه : « . . . فمن كانت هجرته إلى اللّه عز وجل فهجرته إلى ما هاجر اليه ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » . ( 3 ) حديث : « في ابن آدم مضغة » ، أخرجه البخاري في الإيمان 1 / 26 ، ومسلم في الايمان 1 / 89 والبيهقي 1 / 314 . ( 4 ) حديث : « إن الملك ليكثر عمل العبد » ، أخرجه أحمد في الزهد 64 ، من الترتيب ، والهيثمي في المجمع 10 / 314 ، وعزاه للطبراني .