تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
5 - أن ذاته الداخلية كانت من القوة والمتانة بحيث لم يحتج إلى أن يضفي على ظاهره ما يقوي شخصيته ، فلم يحفل بالشهرة لا هو ولا مدرسته بين علماء بغداد ومدارسها ، وذلك على الرغم من أن اجتماع تلاميذه به في حلقة درسه كان على صورة لم تعهدها مدارس العلم ، إذ كان الوقت المختار له ولهم هو : ما بعد العشاء الآخرة حتى صلاة الفجر . وهذا عمل كان يمكن استغلاله في الدعاية والشهرة ، ولكنه لم يفعل لغناء ذاته الداخلية عن كل شيء إلّا الإيمان والحب والنصح وغيرها من مقومات الشخصية السوية المستقيمة . 6 - لم يكن كغيره من العلماء يحاول الانتصار لنفسه بما يشبه الحق من البراهين الملتوية ، لا سيما إذا ورد عليه النقد ممن هو أنزل منه علما أو قدرا . قال الحارث : عملت كتابا في المعرفة ، فأعجبني ، فدخل علي شاب عليه ثياب رثة ، وأنا أنظر في الكتاب مستحسنا إياه ، فقال لي : يا أبا عبد اللّه المعرفة حق للخلق على الحق ، أو حق للحق على الخلق ؟ قلت : حق للخلق على الحق . قال : هو أولى أن يبذلها لمستحقيها . قلت : بل حق للحق على الخلق . قال : هو أعدل من أن يظلمهم . فأخذت الكتاب وحرقته ، وقلت : لا أعود أتكلم في المعرفة أبدا . فلو أن عالما من المحدثين حدث له ذلك لملأ الدنيا صراخا وعويلا لينتصر لنفسه بالباطل فضلا عن الحق ، في الوقت الذي كان فيه للحارث وجه للدفاع عن نفسه وعن كتابه ، لأنه يتحدث عن المعرفة من حيث التربية والشريعة والأمر والنهي ، أما الشاب فيقصد المعرفة من حيث القسمة الإلهية الأزلية ، وهي الحقيقة ، فاختلف الوجهان ، وكلاهما مصيب ، ولكن الحارث كما قلنا قوي في ذاته الداخلية ، وليس في حاجة إلى لجاجة ولا جدال ليثبت هذه القوة ، أو ليضفي على نفسه قوة زائفة من الغرور والإعجاب . 7 - لم يكن عالما متخصصا يغلق فكره على فرع معين من فروع المعرفة ، وإنما كان رجلا متعدد المواهب ، مجيدا في كل ما اقتحمه من ميادين المعرفة ، فهو فقيه ، محدث ، أصولي ، متكلم ، عالم بالتحليل النفسي ، خبير بالمجتمع وتحركاته الظاهرة والخفية ، متطلع إلى مذاهب غيره من الفقهاء والمفكرين في أرجاء الإسلام ، ناقد بصير لا سيما في قضايا الصوفية التي بدأت تختلط في عصره ، ويسود أهلها في بعض أحوالهم جهل بالحديث والأخبار ، وغلظة في إصدار الأحكام . 8 - كان ملتزما بكل ما يقول أو يكتب . . . فلم يكتب حرفا إلّا التزم به سلوكا ، ومن هنا آثر الورع يوم مات أبوه ، وهو في حاجة إلى دانق كما يقول الجنيد البغدادي ، فرفض ميراثه