من أبيه ، لأنه كان يرى كفر القدرية ، وليس بين أهل ملّتين توارث . ورغم الخلاف في كفر القدرية ، ورغم عدم مسئوليته عما شاب مال أبيه من الحرام ، فإنه آثر الورع ، وفضّل الجوع على أن يقبل مالا فيه شبهة .
والغريب في أمر المحاسبي ، والذي لم أستطع له تفسيرا يقوم على سند مكتوب ومأثور هو أنه نجا من محنة القول بخلق القرآن ، وكان معاصرا لها ، وكان رأسا من رؤوس العلم ، وصاحب مدرسة كبرى يمكن أن يفيد منها القاضي أحمد بن أبي دؤاد في نحلته التي انبرى لنصرتها .
كان المحاسبي يهاجم المعتزلة وغيرها من الفرق ، وكان هجومه على المعتزلة وغيرهم من أسباب الخلاف بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل ، حيث كان يرى أحمد إهمال هؤلاء المارقين ، ويرى الإمام المحاسبي الهجوم عليهم ، وتفنيد أفكارهم ، وتعريتها أمام الجمهور .
ونحلة القول بخلق القرآن كانت نحلة اعتزالية في أصلها وفرعها ، وهذا عدو من أعدائها ، فلما ذا لم يحمل مع من حمل للمحنة ، ولماذا لم يتعرض للتعذيب كما تعرض غيره من العلماء ؟
ولكي نجيب على هذا التساؤل يجب أن ندرك أن غير المحاسبي من ذوي الشأن في ذلك العصر لم يتعرضوا هم الآخرون لأذى السلطان في شأن خلق القرآن ، من أمثال :
بشر بن الحارث الحافي ، والسري السقطي وغيرهما من أصحاب مدارس التصوف . ولكن الفرق ثابت بين هؤلاء وبين المحاسبي ، فلا السري ولا الحافي ولا غيرهما من رجال التصوف كانوا يهاجمون المعتزلة ويكتبون في تجريحهم الكتب ، ويعقدون حلقات العلم .
بل كان نشاطهم مقصورا على السلوك ، وعلى بعض روايات السنّة . . . فالقول بأن المحاسبي كغيره من هؤلاء لم يكونوا موضع اهتمام السلطان في شأن المحنة قول غير مستقيم ، من جهة أن المحاسبي إمام مجتهد محدث متكلم له باع طويل في تسفيه المعتزلة أفزع الإمام أحمد نفسه .
والذي نستطيع أن نقرره الآن : أنه ربما اعتمدت السلطة على النزاع الذي كان قد ثار بين أحمد وبين المحاسبي فظنت أنه لا خطر من المحاسبي . . . أو أنهم عرفوه بما اشتهر عنه من الصلاح ، وحب الخفاء والنفور من اجتماع الناس حوله ، فلم يروا في رأيه مغنما لهم ، ولا تأثيرا في الناس ، ما دام الناس لا يشكلون اهتماما للمحاسبي في حياته وهو الذي يقول :
« واللّه لو أن نصف الخلق قد بعدوا عني ما استوحشت لبعدهم ، ولو أن النصف الآخر اقترب مني ما أنست بقربهم » .
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 17
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١٧