وجل ، فرضى عنك وأقلعت عما يكره قبل أن تموت ، فغفر لك ، حتى إذا صرت في خوفها التحمت عليك بحريقها ، وقلبك قد بلغ غاية حرقته ومضيضه ، فتورمت في أول ما ألقيت فيها ، ونادى « 1 » اللّه عز وجل النار وأنت مكبوب على وجهك تنادي بالويل والثبور ، فناداها :
هَلِ امْتَلَأْتِ
« 2 » ؟ فسمعت نداءه وسمعت اجابتها له :
هَلْ مِنْ مَزِيدٍ
« 3 » ؟ يقول هل من سعة وأنت في قعرها ، وهي تتلهب في بدنك ، لها قصيف في جسدك ، ثم لم تلبث أن تقطر بدنك وتساقط لحمك ، وبقيت عظامك ، ثم أطلقت النار على ما في جوفك فأكلت ما فيه ، فتوهم كبدك والنار تداخل فيها وأنت تنادي فلا ترحم ، وتبكي وتعطي الندم ، ان رددت ألا تعود ، فلا تقبل توبتك ، ولا يجاب نداؤك « 4 » .
[ عذاب جهنم وشدته ، وطلبها المزيد ]
فتوهم نفسك وقد طال فيها مكثك وألح العذاب ، فبلغت غاية الكرب ، واشتد بك العطش فذكرت الشراب في الدنيا ، ففزعت إلى الجحيم ، فتناولت الاناء من يد الخازن الموكل بعذابك ، فلما أخذته نشت كفك من تحته ، وتفسخت لحرارته ، وهيج حريقه ، ثم قربته إلى فيك فشوى وجهك ، ثم تجرعته فسلخ حلقك ، ثم وصل إلى جوفك فقطع أمعاءك ، فناديت بالويل والثبور ، وذكرت شراب الدنيا وبرده ولذته ، ثم أقلعت « 5 » الحريق ، فبادرت إلى حياط الحميم لتبرد بها ، كما تعودت في الدنيا الاغتسال والانغماس في الماء إذا اشتد عليك الحر فلما اغتمست في الحميم تسلخ من قرنك إلى قدمك ، فبادرت إلى النار رجاء أن تكون هي أهون عليك ، ثم اشتد عليك حريق النار فرجعت إلى الحميم وأنت تطوف بينها وبين حميم آن ، وهو الذي قد انتهى حره ، وتطلب الروح فلا روح بين الحميم وبين النار ، تطلب الروح فلا روح أبدا . فلما اشتد
هامش
( 1 ) ونادا .
( 2 ) املات .
( 3 ) سورة ق : 30 .
( 4 ) نداك .
( 5 ) أقلقت .