بك الكرب والعطش وبلغ منك المجهود ذكرت الجنان فهاجت غصة من فؤادك إلى حلقك أسفا على جوار اللّه عز وجل ، وحزنا على نعيم الجنة ، ثم ذكرت شرابها وبرد مائها وطيب عيشها ، فتقطع قلبك حسرة لحرمان ذلك ، ثم ذكرت أن فيها « 1 » بعض القرابة من أب أو أم أو أخ ، وغيرهم من القرابة فناديتهم بصوت محزون من قلب محترق قلق : يا أماه أو يا أبتاه أو يا أخاه أو يا خالاه أو يا عماه أو يا أختي شربة من ماء ، فأجابوك بالخيبة فتقطع قلبك حسرة « 2 » بما خيبوا من أملك ، وبما رأيت من غضبهم عليك لغضب ربك عز وجل ، ففزعت إلى اللّه بالنداء بالمرجع والعتبى أن يردك إلى الدنيا ، فمكث عنك دهرا طويلا لا يجيبك هوانا بك وان صوتك عنده ممقوت ، وجاهك عنده ساقط ، ثم ناداك بالخيبة منه أن
اخْسَؤُا
« 3 »
فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
« 4 » . فلما سمعت نداءه بجلال كلامه بالتخسية لك ابتداء فمثلك ( ؟ ) لا تجاب ومناخرك وفيك ملجومة « 5 » بلجام ، فبقي نفسك مترددا في جوفك لا مخرج له فضاقت نفسك في صدرك وبقيت قلقا تزفر لا تطيق الكلام ولا يخرج منك « 6 » نفس ، ثم أراد أن يزيدك اياسا وحسرة ، فأطبق أبواب النار عليك وعلى أعدائه فيها . فما ظنك ان لم يعف عنك ، وقد سمعت رجوف بابها قد أغلق ؟ فيا اياسك ويا اياس سكان جهنم حين سمعوا وقع أبوابها تطبق عليهم فعلموا عند ذلك أن اللّه عز وجل انما أطبقها لئلا يخرج منها أحدا أبدا ، فتقطعت قلوبهم اياسا وانقطع الرجاء منهم ألا فرج أبدا ولا مخرج منها ولا محيص لهم من عذاب اللّه عز وجل أبدا خلود فلا موت ، وعذاب لا زوال له عن أبدانهم ، ودوام حرق قلوبهم ومضيضها ، فلا روح ولا راحة تعلق بهم أبدا ، أحزان لا تنقضي ، وغموم لا تنفد ، وسقم لا يبرأ ، وقيود لا تحل ، وأغلال لا
هامش
( 1 ) فيهم .
( 2 ) حسرات .
( 3 ) أحسا .
( 4 ) المؤمنون : 108 .
( 5 ) ملجومين .
( 6 ) في الهامش .