تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
تفك أبدا ، وعطش لا يروون بعده أبدا ، وكرب لا يهدأ أبدا ، وجوع لا يشبعون بعده أبدا الا بالزقوم ينشب في حلوقهم فيستغيثون بالشراب ليسوغوا به غصصهم فيقطع أمعاءهم ، وحسرة فوت رضوان اللّه عز وجل في قلوبهم ، وكمد حرمان جوار اللّه عز وجل يتردد « 1 » في صدورهم ، لا يرحم بكاؤهم ، ولا يجاب دعاؤهم ، ولا يغاثون « 2 » عند تضرعهم ، ولا تقبل توبتهم ، ولا تقال عثرتهم غضب اللّه عز وجل عليهم فلا يرضى عنهم أبدا ، إذ أبغضهم ومقتهم ، وسقطوا من عينه ، وهانوا عليه فأعرض عنهم . فلو رأيتهم وقد عطشوا وجاعوا فنادوا من أهل الجنة الأقرباء فقالوا جميعا : يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأخوة والأخوات خرجنا من قبورنا عطاشا وأوقعنا بين يدي اللّه عز وجل عطاشا ، وأمر بنا إلى النار عطاشا ، أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللّه ، فأجابوهم بالتخسية فتراجع في قلوبهم الحسرة والندامة فهم فيها يتقلقون لا ينفح وجوههم « 3 » روح أبدا ، ولا يذوقون منها باردا أبدا ولا يطبقون جفونهم على غمض نوم أبدا ، فهم في عذاب دائم وهوان لا ينقطع ، فمثل نفسك بهذا الوصف ان لم يعف عنك . فلو رأيت المعذبين في خلقهم وقد أكلت النار لحومهم ومحت محاسن وجوههم واندرس تخطيطهم ، فبقيت العظام مواصلة محترقة مسودة وقد قلقوا واضطربوا في قيودهم وأغلالهم وهم ينادون بالويل والثبور ، ويصرخون بالبكاء والعويل ، اذن لذاب قلبك فزعا من سوء خلقهم وتضعفت من رائحة نتنهم ولما بقي روحك في بدنك من شدة وهج أبدانهم وحرارة أنفاسهم . فكيف بك ان نظرت إلى نفسك فيها وأنت أحدهم ، وقد زال من قلبك الأمل والرجاء ولزمه القنوط والاياس وعطفت على بدنك فتقحمت على الحدقتين فسمعت تفضيضهما نتقاما وبدلا من نظرك إلى ما لا يحب ولا
هامش
( 1 ) يترد . ( 2 ) يغانوا . ( 3 ) وجوهم .
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 177 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا