تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وجبن من المولى الذي لم يزل إليك ، محسنا ، وعليك ساترا « 1 » فبأي لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك ، وعظيم جرمك ، وبأي قدم تقف غدا بين يديه ، وبأي نظر تنظر اليه ، وبأي قلب تحتمل كلامه العظيم الجليل ومساءلته وتوبيخه ؟ فتوهم نفسك بصغر جسمك ، وارتعاد جوارحك ، وخفقان قلبك ، وقد سمعت كلامه بتذكير ذنوبك ، واظهار مساوئك ، وتوقيفك وتقريرك بمخباتك ، فتوهم نفسك بهذه الهيئة والأهوال بك محدقة من خلفك ، فكم من بلية قد « 2 » نسيتها ، قد ذكركها ، وكم من سريرة قد كنت كتمتها قد أظهرها وأبداها ، وكم من عمل قد ظننت أنه قد خلص لك وسلم بالغفلة منك إلى ميل الهوى عما يفسده قد رده في ذلك الموقف عليك وأحبطه ، بعد ما كان تأملك فيه عظيما ، فياحسرات قلبك وتأسفك على ما فرطت في طاعة ربك ، حتى إذا كرر عليك السؤال بذكر كل بلية ونشر كل مخبأة فأجهدك الكرب ، وبلغ منك الحياء منتهاه لأنه الملك الأعلى « 3 » فلا حياء يكون من أحد أعظم من الحياء منه لأنه القديم الأول الباقي الذي ليس له مثل ، المحسن المتعطف المتحنن الكريم الجواد المنعم المتطول ، فما ظنك بسؤال من هو هكذا أبان عن مخالفتك إياه ، وقلة هيبتك له ، وحيائك منه ، ومبارزتك له ، فما ظنك بتذكيره إياك مخالفته وقلة اكتراثك في الدنيا بالطافة « 4 » عليك ونظرك اليه ، إذ يقول : يا عبدي أما أجللتني أما استحييت مني ، أستخففت بنظري إليك ، ألم أحسن إليك ، ألم أنعم عليك ، ما غرك مني ، شبابك فيم أبليته ، وعمرك فيم أفنيته ، ومالك من أين اكتسبته ، وفيم أنفقته ، وعملك ما ذا عملت فيه ؟ - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما منك من أحد إلا سيسأله رب العالمين ، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان » « 5 » .
هامش
( 1 ) ساتر . ( 2 ) فوق . ( 3 ) الأعلا . ( 4 ) بالطاعة . ( 5 ) أورده العجلوني بلفظ مقارب ولم يعلق عليه بشيء ، وأورده الغزالي في الاحياء من قول مجاهد ، وفي ابن ماجة حديث رقم 1843 بلفظ مختلف . وفي تفسير قوله تعالى :فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ( الحجر : 92 ، 93 ) ، أورد ابن كثير أثرا عن ابن مسعود يقارب معنى الحديث .