إلى دار الشفاء ، حتى إذا بلغ المجهود منك ومن الخلائق منتهاه وطال وقوفهم لا يكلمون ولا ينظرون « 1 » في أمورهم ، فما ظنك بوقوفهم ثلاثمائة عام لا يأكلون فيه أكلة ولا يشربون فيه شربة ولا يلفح وجوههم روح ولا طيب نسيم ، ولا يستريحون من تعب قيامهم ونصب وقوفهم حتى بلغ الجهد منهم ما لا طاقة لهم به - عن قتادة أو كعب ،
[ شرح آية : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
، ومقدار قيامهم ]
قال :
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
« 2 » قال : « يقومون مقدار ثلاثمائة عام » ، قال سمعت الحسن يقول : « ما ظنك بأقوام قاموا للّه عز وجل على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة حتى إذا انقطعت أعناقهم من العطش واحترقت أجوافهم من الجوع انصرف بهم إلى النار فسقوا من عين آنية قد آن حرها واشتد نفحها ، فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به كلم بعضهم بعضا في طلب من يكرم على مولاه أن يشفع لهم في الراحة من مقامهم وموقفهم لينصرفوا إلى الجنة أو إلى « 3 » النار من وقوفهم ففزعوا إلى آدم ونوح ومن بعده إبراهيم ، وموسى وعيسى من بعد إبراهيم ، كلهم يقول لهم : ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ، فكلهم يذكر شدة غضب ربه عز وجل وينادي بالشغل بنفسه فيقول : نفسي نفسي ، فيشتغل بنفسه عن الشفاعة لهم إلى ربهم لا هتمامه بنفسه وخلاصها » وكذلك يقول اللّه عز وجل :
يَوْمَ
« 4 »
تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
« 5 » فلم يحاس ( ؟ ) من الخلائق أحدا .
[ سؤال الخلائق الشفاعة من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ]
فتوهم أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم ، منفرد كل واحد منهم بنفسه ينادي : نفسي نفسي ، فلا تسمع الا قول نفسي نفسي . فياهول ذلك وأنت تنادي معهم بالشغل بنفسك والاهتمام بخلاصها من عذاب ربك وعقابه ، فما
هامش
( 1 ) ينظروا .
( 2 ) المطففين : 6 .
( 3 ) في الهامش .
( 4 ) القيامة . زائد باليد الأولى .
( 5 ) النحل : 111 .