تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
واختلاف خلقهم وطبائعهم وتوحش بعضهم من بعض قد أذلهم البعث وجمع بينهم النشور . حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من انسها وجنها وشياطينها ووحوشها وسباعها وأنعامها وهوامها ، واستووا جميعا في موقف العرض والحساب تناثرت نجوم السماء من فوقهم وطمست الشمس والقمر ، وأظلمت الأرض بخمود سراجها واطفاء نورها . فبينا أنت والخلائق على ذلك إذ صارت السماء الدنيا من فوقهم ، فدارت بعظمها من فوق رؤوسهم « 1 » ، وذلك بعينك تنظر إلى هول ذلك ، ثم انشقت بغلظها خمسمائة عام ، فياهول صوت انشقاقها في سمعك ، ثم تمزقت وانفطرت بعظيم هول يوم القيامة والملائكة قيام على أرجائها وهي حافات ما يتشقق ويتفطر ، فما ظنك بهول تنشق فيه السماء بعظمها ، فأذابها ربها حتى صارت كالفضة المذابة تخالطها صفرة لفزع يوم القيامة ، كما قال الجليل الكبير : فصارت
وَرْدَةً كَالدِّهانِ
« 2 » ، و
يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ . وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ
« 3 » . ( فقال المفسرون أن المهل هي الفضة المذابة يخالطها صفرة ، وان العهن هو الصوف المنفوش ، وقوله وردة كالدهان كلون الفرس الورد ) . فبينا ملائكة السماء الدنيا على حافتها إذ انحدروا محشورين إلى الأرض للعرض والحساب ، وانحدروا من حافتيها بعظم أجسامهم وأخطارهم وعلو أصواتهم بتقديس الملك الأعلى الذي أنزلهم محشورين إلى الأرض بالذلة والمسكنة للعرض عليه والسؤال بين يديه . فتوهم تحدرهم « 4 » من السحاب بعظيم أخطارهم وكبير أجسامهم وهول أصواتهم وشدة فرقهم منكسين لذل العرض على اللّه عز وجل - كما حدثني يحيى بن غيلان الأسلمي قال : حدثنا رشدين بن سعيد عن أبي السمح عن أبي قبيل عن عبد اللّه ابن عمرو بن العاص عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « للّه ملك ما بين مواقي عينيه إلى
هامش
( 1 ) روسهم . ( 2 ) الرحمن : 37 . ( 3 ) المعارج : 8 ، 9 . ( 4 ) يحذرهم .
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 157 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا