[ نداء المنادي لكل الخلائق للعرض على اللّه عز وجل ]
فتوهم كيف وقوع الصوت في مسامعك وعقلك وتفهم بعقلك بأنك تدعى « 1 » إلى العرض على الملك الأعلى « 2 » فطار فؤادك وشاب رأسك للنداء لأنها صيحة واحدة بالعرض على ذي الجلال والاكرام والعظمة والكبرياء . فبينا أنت فزع للصوت إذ سمعت بانفراج الأرض عن رأسك ، فوثبت مغبرا من قرنك إلى قدمك بغبار قبرك ، قائم على قدميك شاخص ببصرك نحو النداء ، وقد ثار الخلائق كلهم معك ثورة واحدة وهم مغبرون « 3 » من غبار الأرض التي طال فيها بلاؤهم « 4 » . فتوهم ثورتهم بأجمعهم بالرعب والفزع منك ومنهم ، فتوهم نفسك بعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وغمومك وهمومك في زحمة الخلائق ، عراة حفاة صموت أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة والرهبة ، فلا تسمع الا همس أقدامهم والصوت لمدة المنادى ، والخلائق مقبلون نحوه وأنت فيهم مقبل نحو الصوت ، ساع « 5 » بالخشوع والذلة ، حتى إذا وافيت الموقف ازدحمت الأمم كلها من الجن والانس عراة حفاة ، قد نزع الملك من ملوك الأرض ولزمتهم الذلة والصغار ، فهم أذل أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدرا بعد عتوهم وتجبرهم على عباد اللّه عز وجل في أرضه . ثم أقبلت الوحوش من البراري وذرى الجبال منكسة رؤوسها « 6 » لذل يوم القيامة بعد توحشها وانفرادها من الخلائق ذليلة ليوم النشور لغير بلية نابتها ولا خطية أصابتها ، فتوهم اقبالها بذلها في اليوم العظيم ليوم العرض والنشور ، وأقبلت السباع بعد ضراوتها وشهامتها منكسة رؤوسها « 6 » ذليلة ليوم القيامة حتى وقفت من وراء الخلائق بالذل والمسكنة والانكسار للملك الجبار ، وأقبلت الشياطين بعد عتوها وتمردها خاشعة لذل العرض على اللّه سبحانه ، فسبحان الذي جمعهم بعد طول البلاء
هامش
( 1 ) تدعا .
( 2 ) الأعلا .
( 3 ) مغبرين .
( 4 ) بلاهم .
( 5 ) ساعي .
( 6 ) روسها .