تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
الموت جميع جسمك ، وقلبك وجل محزون مرتقب منتظر للبشرى « 1 » من اللّه عز وجل بالغضب أو الرضا ، وقد علمت أنه لا محيص لك دون أن تسمع أحدى الشريين من الملك الموكل بقبض روحك ، فبينا أنت في كربك وغمومك وألم الموت بسكراته وشدة حزنك لارتقابك احدى البشريين من ربك ، إذ نظرت إلى صفحة وجه ملك الموت بأحسن الصورة أو بأقبحها ، ونظرت إليه مادا يده إلى فيك ليخرج روحك من بدنك ، فذلت نفسك لما عاينت ذلك وعاينت وجه ملك الموت ، وتعلق قلبك بماذا يفجأك من البشرى منه إذا سمعت صوته بنغمته أبشر يا ولي اللّه برضا اللّه وثوابه أو أبشر يا عدو اللّه بغضبه وعقابه ، فتستقين حينئذ بنجاتك وفوزك ويستقر الأمر في قلبك فتطمئن إلى « 2 » اللّه نفسك ، أو تستقين بعطبك وهلاكك ويحل الاياس قلبك وينقطع من اللّه عز وجل رجاؤك وأملك ، فيلزم حينئذ غاية الهم والحزن أو الفرح والسرور قلبك حين انقضت من الدنيا مدتك وانقطع منها أثرك وحملت إلى دار من سلف من الأمم قبلك .

[ توهم نفسك في ضيق لحدك والجلوس لسؤال الملكين ]

فتوهم نفسك حين استطار قلبك فرحا وسرورا ، أو ملىء حزنا وعبرة ، وبفترة القبر وهول مطلعه وروعة الملكين وسؤالهما فيه عن ايمانك بربك ، فمثبت من اللّه جل ثناؤه بالقول الثابت أو متحير شاك مخذول . فتوهم أصواتهما حين يناديانك لتجلس لسؤالهما إياك ليوقفاك على مسائلتهما ، فتوهم جلستك في ضيق لحدك ، وقد سقطت أكفانك على حقويك والقطنة من عينيك عند قدميك . فتوهم ذلك ثم شخوصك ببصرك إلى صورتهما وعظم أجسامهما ، فان رأيتهما بحسن الصورة أيقن قلبك بالفوز والنجاة ، وان رأيتهما بقبح الصورة أيقن قلبك بالهلاك والعطب ، فتوهم أصواتهما وكلامهما بنغماتهما وسؤالهما ثم هو تثبيت اللّه إياك ان ثبتك أو تحييره « 3 » ان خذلك .
هامش
( 1 ) للبشرا . ( 2 ) ناقص في الأصل . ( 3 ) تحيره .