الاعتبار بما قبل الولادة وما بعد الموت :
من علم أنه لا يملك من نفسه إلّا كما كان يملك قبل أن يولد ، وكما يملك بعد أن يموت ، فقد أنزل نفسه منزلة الضعف والفقر في التواضع والاستكانة ، ومن لم ينزل نفسه ذلك المنزل ، ولم يعلم أن ذلك كذلك علما يقينا ، فقد استحق طريقة الجاهلين ، واستوجب عقوبة المستدرجين .
استحيي من اللّه وحده :
وقال : إذا حملت وعاء من أوعية الشر ، [ فإنك ] ترتعد خوفا أن يبدو للناس شيء مما فيه من الشر . . . فمتى يصلح ما بينك وبين اللّه ؟ هيهات .
اذكر الموت كالعبد السوء الذي لا يستحيي من مولاه ، ولا يرجع عن مساويه ، ولا يعرف إحسانه إليه إلّا عند الحساب والعقاب ، واذكر الموت وما بعد الموت .
وقال : ما ظنك بمن يكره أن يطلع الناس منه على ما يكره اللّه ، ولا يستحيي أن يطلع اللّه منه على ما يكره .
سوءة لمن كان هكذا ، وعجبا له ! ! حيث يترك ، ويضيع الفرص ، ويركب من الأشياء ما كره اللّه ، ثم يتقرب إلى اللّه بما لم يفرضه عليه ، ويتعاطى النوافل ، من الحج والعمرة ، ويأمر وينهي ، ويدعو الناس بزعمه إلى اللّه ، ويأبق منه ، ويأمر ولا يعمل ، وينهى ولا ينتهي .
أترى من كان هكذا عرف اللّه ؟ أو يعتد بنظره إليه ؟ أو صدق في أن عند اللّه ثوابا للمطيعين ، وعقابا للعاصين ؟
سوءة لمن كان هكذا .
حقيقة التوضع :
قلت : أخبرني عن قول القائل : التواضع هو : أن تكون إذا خرجت من بيتك فكل من استقبلك رأيت أن له عليك الفضل . فإذا كان الرجل يدعي هذا ، ويقربه بلسانه ، غير أنه إذا صار إلى احتمال شروطه ومحنه لم يتحملها إلّا بالكره من نفسه ، أيكون هذا متواضعا ؟
قال : إذا كانت تلك الشروط من الحقوق الواجبة فلم يقبلها إلّا بالكره من نفسه ، فلم يبلغ هذا درجة المتواضعين .
وإن كانت شروطا دون الحقوق الواجبة ، مما لا يحرج العبد ترك قبولها من أحد ، وكان طيبا بقبول الواجب منها ، فهو طريق المتواضعين ، وعلى منهاجهم .