تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨

أصلح ما بينك وبين اللّه :

ويروى عن بعض الحكماء أنه كتب إلى أخ له : أوصيك يا أخي بإصلاح ما بينك وبين اللّه ، وإيثار محبته على هواك ، والإقبال على عمل من إليه معاملتك ، وقبله حاجتك . واعلم أن أيامك قليلة ، ونفسك واحدة ، فإن فنيت أيامك فلا رجعة لك فيها ، ولا عوض لك منها ، وإن عطبت نفسك فلا نفس لك سواها . وهل تدري يا أخي ما إصلاح ما بينك وبين اللّه ؟ ألّا يأتيه منك شيء إلّا كان فيه له رضى ، ولا يأتيك منه شيء إلّا كان لك به رضى . فإن ضعفت عن الرضى « 1 » بكل ما يأتيك من حكم اللّه وأمره ، فلا تضعفن عن الصبر ، فإن له الرضا بحال عبده ما دام العبد راضيا بحكمه . وله الرضى بصبر عبده على أمره وحكمه ما دام العبد صابرا على ذلك « 2 » ، فله فيهما الرضى جميعا . وأما عملك فالوفاء بعهده ، والشكر على نعمه . وأما حاجتك فمعرفته وعفوه ، فإن اللّه سبحانه خلق آدم وذريته ، وخلق الجنة ثوابا لأهل طاعته ورحمته ، وخلق النار عقابا لأهل معصيته وسخطه ، فنعوذ باللّه من سخطه وعقابه . فتعاهد يا أخي أيامك ، في ليلك ونهارك ، وجميع أحوالك ، ما أنت فيه ، وما أنت عليه . وتعاهد ضميرك فنقّه وخلصه وسلمه ، حتى يكون نقيا مما تخاف عليه العقاب ، فارغا لما تؤمل فيه من الثواب ، فإنك غير غائب عن اللّه طرفة عين ، يراك ويحصي عليك مثاقيل الذر ، وموازين الخردل ، ليجزيك بذلك يوم القيامة ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . فلا يغيبن عنك ذكره ، فإن حاجتك إليه ، إذ لا حاجة له إليك . واعلم يا أخي أن أصل كل قول العلم ، وأصل كل عمل العلم ، وأصل كل ذلك
هامش
( 1 ) قارن بما جاء في ص 71 من كتاب ( القصد والرجوع إلى اللّه ) . عن الرضا . وفيه أن : سرور القلب عبر القضاء السبيل اليه : علم القلب بأن اللّه عدل في قضائه ، غير متهم فيما يحكم . ويساعد على الرضا معرفة عواقب الأمور ، فاختيار اللّه خير من اختيارك لنفسك . ولا يعني قوله : « فإن ضعفت عن الرضى . . . » أنه يجوز لك الاعتراض على حكم اللّه وأمره بل يجب الرضى بذلك مطلقا . ( 2 ) قارن بما جاء في ص 71 من ( القصد والرجوع إلى اللّه ) . عن الصبر وفيه : إن المقام على ما يرضي المولى فرع . فالصبر هو : حبس النفس في موضع العبودية من الصبر مع نفي الجزع ، لأنه ضد الصبر والجزع فإذا جزع : نفى الصبر الجزع فهو في مقام العبودية .