تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
قلت : وكيف عبادة القلب دون الجوارح ؟ وكيف يفيض القلب بالعبادة إلى الجوارح ؟ قال : أن يصير وعاء للهم والحزن ، والافتقار والخوف ، والندامة والتواضع والاضطرار إلى اللّه عز وجل ، والنصح له وحب ما يحب اللّه ، وبغض ما يبغض اللّه . فإذا عامل اللّه على هذا بقلبه ، هاجت الجوارح بمثل ما رأت من القلب ، فانبعث على الطاعة ، وإنما يكون ذلك من القلب إذا خالط سويداءه ما تأتي به القيامة . والباب الآخر : أن يمتلئ قلبه من معرفة نعم اللّه عز وجل ، وسروره باللّه ، وأنسه بعبادة اللّه ، وشوقه إلى محاب اللّه ، وحبه للشكر للّه ، ورجائه مغفرة اللّه . فإذا عامل اللّه بهذا من قلبه ، اشتاق إلى عبادة الجوارح معه ، فيكون عاملا ، وفي عمله أنس وسرور وحلاوة « 1 » . وقال : ومن أشرف العبادة أن تراقب اللّه بما يحب اللّه ، فإذا فترت عن ذلك راقبه فيما يكره « 2 » ، ملتمسا العود إلى الحالة الأولى التي كنت عليها ، حريصا على ذلك ، [ فيحدث لك حينئذ ] « 3 » إليها حنين شديد ، فإنه إذا رآك كذلك تحن وتحرص ، رد عليك ما سلبك . قال : وفي هذه المسألة والتي قبلها ، وفي جميع الأعمال ، على العامل أن يعقل ما على القلب ، وما على جوارح ، فيبدأ بما على القلب ، ثم بما على الجوارح . . . فإن القلب هو الأصل ، والجوارح أغصان ، ولا تقوم الأغصان إلّا بالأصل « 4 » . قال : ومن أحسن الأخلاق أن تكون سجية العبد التواضع ، ومن أحسن الفعال الإحسان إلى من أساء إليك . وقال : اجتهد ولا تيأس ، ولا تقل عند ذكر الصالحين : لولا ذنوبي لرجوت طريقة الصالحين ، فيفتّرك ذكر ذنوبك عن العمل ، فإن صاحب الحمل الثقيل أولى أن يجتهد في إسقاط ما قد حمل من المخف الذي ليس على ظهره شيء .
هامش
( 1 ) هذه عبادة الإيمان واليقين ، لأن القلب المؤمن الموقن الذي يشهد الغيب كأنه منظور ، تفيض من قلبه صور الإيمان ، وصور الإيمان في اللسان تصديقه ، وفي الجوارح قيام بالفرائض ، وبعد عن المكاره ، وفي اليد بذل وصدقة ، وفي الرجل سعي إلى اغراض اللّه ، وفي النفس موافقة للقلب ، وهذا كل الأعمال . انظر عبد الغني النابلسي في ( الفيض الرباني ورقة 27 أ ) نسخة الظاهرية بخط المؤلف . ( 2 ) في الأصول : ( بما يكره ، وما أثبتناه أوضح . ومراقبته فيما يكره : البعد عنه ، والنصح للمسلمين ألا يعصوه . ( 3 ) سقطت من أ . ( 4 ) هذا تذكير عبر عنه المؤلف ، وهو اعتبار الأصل في الأمر والنهي ، وكذلك من وسائل إصلاح الخلل الحادث في المجتمع ، فلا يكون الإصلاح في الفروع وبقاء الأصول على ما هي عليه .