وتعالى فيه شيء « 1 » ، وإنما هو كله للدنيا « 2 » .
فلما استبان من نفسه هذا ، ولم تكن إرادته وجه اللّه ، وما يرجو من ثواب اللّه على طعامهم ، قال في نفسه « 3 » لما تبين له ذلك : لا . . . ولكني أترك الإرادة الأولى ، وأحضر إرادة ثانية أريد بها وجه اللّه تعالى وحده والدار الآخرة .
ثم قال : فلعلي أخدع في هذا وأنا لا أشعر . . . ولكني أدعو مكان هؤلاء قوما آخرين أقدم فيهم النية والإرادة الصحيحة أمام الطعام ، أو لا أدعو أحدا .
فإن رأى نفسه عند ذلك تنازعه إلى أن يدعوهم ، فكراهية النفس لترك دعوتهم ، ومحبتها لدعوتهم ، علامة أنه غير صادق ، وأنه مخدوع .
وإن سكنت إلى الترك ، ورضيت به ، فهو من علامة الخير . فينبغي له حينئذ أن يعمله ، وأن يمضي فيه ، فإن شاء دعاهم ، وإن شاء دعا غيرهم بنية جديدة .
كثرة الخطأ ، وخفاء الخداع في هذا الباب :
وإن الخداع والغلط ، والخطأ والعمد ، والنسيان والفتن والبلايا في هذا الباب من إخلاص العمل ، وصدق الإرادة ، وتقدم النية شديد . . . والبلاء فيه كثير . . .
ولشدته أعطي العبد على العمل القليل بالإخلاص الثواب الكثير .
وآفاته أكثر من أن يضبطها الكتاب ، وصحته أعز من أن يبلغها الآمن المخدوع المغتر بظاهر الكتاب ، وظاهر العلم ، وإنما يدرك ذلك كله ويعرفه أهل العناية بأنفسهم ، الذين خافوا على أعمالهم أن تبطل ، وخافوا على أنفسهم أن تتلف « 4 » .
ولا ينبغي لعاقل أن يفتر عن مفاتشة همته ، ومحاسبة نفسه ، ونقاء ضميره ، ومراقبة اللّه سبحانه وتعالى عند كل عمل يريد أن يعمله ، وإلّا فهو مخدوع .
هامش
( 1 ) في الأصول : ( فيها شيء ) .
( 2 ) في الأصول : ( كلها للدنيا ) .
( 3 ) في الأصول : ( فقال في نفسه ) .
( 4 ) تخصص المحاسبي في هذا الباب من علوم القلوب . وفي كتابه « الرعاية لحقوق اللّه » و ( أعمال القلوب والجوارح ) كفاية للمؤمن . وقد اعترف الغزالي بأستاذية المحاسبي في هذا الباب . وكتب المحاسبي كتابا مستقلا في موضوع النفس في باب العقوبة سماه ( بدء من أناب إلى اللّه ) . وقد أخرجناه بعنوان ( التوبة ) .