وأنا أقول : إن العمل لا يكون عملا كما أمر اللّه « 1 » أن يعمل إلّا بصدق نية ، وصحة إرادة ، وتقديمهما أمام كل عمل ، فهذا عندي هو العمل ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « الأعمال بالنية » « 2 » .
وجوب العناية بجواهر الأعمال بأسمائها :
واعلم أن وقوفك عند افتتاح العمل ، وذكر الصدق ، وتصحيح النية والإرادة ، ونفورك من الرياء ، وذكرك الجنة والنار ، ليس يزيد في صدقك ، ولا ينقص من ريائك ، حتى تستعمل التقوى ، وتقدم النية ، وتصدق في الإرادة .
فلا تفتر في ذلك الوقت « 3 » ، فإن الإنسان يحب اسم الخير ، ويكره نفس الخير ، ويكره اسم الشر ، ويحب نفس الشر .
فما أحب إلى الإنسان اسم الصدق ، وما أثقل عليه نفس الصدق ، ما أشد بغض الإنسان لاسم الرياء . وما أحبه إليه ، وأخفه عليه ، وأشد استعماله له .
فلا تتساهل في ذلك الوقت عن ذكر النية ، فإن الصدق والنية اسمان ، ونفسهما الإرادة الصادقة ، وإن النفس والهوى يجتثان ثمرة العمل بحلاوتهما « 4 » .
واعلم أن لذتك فيما تجد من حلاوة طعم الحلوى وغير ذلك إنما تجدها عند أكلك إذا أكلتها . . . وحلاوة الهوى والشهوة في الفكر إذا تابعته على ما تريد ، ليس له طعام ولا شراب ، إنما لذته من الأشياء أن يتابع في فكره وأصله .
واعلم أن لذة الرياء وحلاوته لذة تخالط القلوب ، وتجري في العروق ، فاحذر ذلك في ابتداء أول العمل ، وفاتش الهمة وتقص تصحيح الإرادة ، وكن في ذلك كله مراقبا للّه وحده .
هامش
( 1 ) في ب : ( وأنا لا أقول أن العمل يكون عملا ) الخ . اضطراب من الناسخ .
( 2 ) المراد قبول العمل عند اللّه . فالعمل بلا نية ، أو بنية فاسدة غير مقبول ، بمعنى انه : لا ثواب له ولا جزاء .
فإن كان فريضة سقطت المطالبة بها ، وليس لها ثواب ولا قبول ، وعلى العامل وزر إهدار النية . وإن كانت نافلة وقعت هباء . ولهذا اشترط الأئمة النية ، واختلفوا في الاحتفاظ بها أو إسرارها . ويفرق الدبوسي في الأمن الأقصى ورقة 25 أبين شروط الصحة وهي تتعهد بالجوارح ، وشروط القلوب وهي تتعلق بالقلوب .
( 3 ) الخلاصة : أن الإرادة وتحديدها يجب ان يسبق العمل ، ويسبق الوقوف له والنية فيه . . ثم يصحب الإرادة ويعقد النية ، ولا يفتر عن تذكرها بقلبه عند افتتاح العمل وأثناءه حتى يختمه . . وعليه فالإرادة عمل ، والنية عمل آخر ، وهو من الإرادة والنية معا .
( 4 ) يعني بالحلاوة التي يشعران بها للرياء والمحمدة ، ولهذا ينسيان ثمرة العمل .