تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨

معرفة الصدق في نقل الإرادة من الرياء إلى الصحة :

قلت : إذا أردت أن أعمل العمل ، وقفت قبل الافتتاح ، فراجعت نيتي وإرادتي ، فرأيت الرياء قد سبق الصدق ورأيت الصدق غائبا عني ، فأردت أن أنقل الإرادة بحقيقتها إلى الصدق والصحة ، وحسن النية ، وأن أتقي الهوى ، بحليته « 1 » وريائه وشهوته ، فمتى أعلم أني قد فعلت ذلك ، وأتيت منه على ما أردت ، وقد ذكرت أن ذكر النية والصدق لا ينفعني حتى يكون بتحقيق الإرادة ؟ قال : لأنهما لا يجتمعان في قلب واحد « 2 » . ثم قال : ربما اجتمع اسمهما ، ولا يجتمع أنفسهما . . . فإذا لم ترد النفس وتشتهي ما كنت أنت تريده وتشتهي من إرادة اللّه تعالى بذلك العمل والدار الآخرة ، فقد علمت أن هذا قد حضر ، وذاك قد غاب ، كما كنت تعلم أن الرياء حاضر ، والنية غائبة « 3 » . وإن اشتبه عليك الذي وصفت لك ، فانقض الأمر كأنك لا تريد أن تعمله البتة ، وأصدق فيه ، فإن علمت أنك قد صدقت بنقضك له ، فابتدئه من الرأس . فإن وجدت من نفسك الرضا والسكون بنقض العمل ، والترك له فاعلم أنه علامة حضور الصدق ، وغيبة الهوى والرياء . وإن وجدت كراهية النقض والترك فاعلم أن الهوى بعد فيه « 4 » . قلت : اضرب لي فيه مثلا يكون أبين من هذا . قال : مثل رجل هم أن يتخذ طعاما يدعو إليه أقواما ، فراجع نفسه وعزمه ، فإذا هو يريد أن يدعو فلانا لشيء كان وافقه منه . وإذا هو يريد أن يدعو الآخر يريد ضربا من الاستطالة ، وأن يستخدمه ويخضع له . وإذا هو يريد أن يدعو الآخر ليستعين به على ظلم . وإذا هو يريد أن يدعو الآخر ليصيب منه عرضا من الدنيا . وإذا هو يريد أن يدعو الآخر فيحمده ويثتي عليه ، ويبسط ذكره . وإذا هو يريد أن يدعو الآخر ليجالسه ويزاوره ، ويدع مجالسة ومزاورة غيره . وإذا هو يريد أن يدعو الآخر لحسن لقاء يلقاه به . وأشباه ذلك مما ليس للّه سبحانه
هامش
( 1 ) في أ : ( بكليته ) من نسخة أخرى . ( 2 ) قوله : ( لأنهما لا يجتمعان في قلب واحد ) تعليل لقول السائل : النية والصدق لا ينفعني حتى يكون بتحقيق الإرادة . فالنية والإرادة لا يجتمعان مع الرياء أبدا في قلب . ( 3 ) يعني فقد علمت أن عدم اشتهاء النفس لإرادة اللّه الدار الآخرة قد حضر في قلبك . والإرادة الصادقة قد غابت . ( 4 ) هذه التجربة الرائدة لم يسبق إليها المحاسبي . وهي : اختيار الإرادة من جهة الرضا بترك العمل فإن تعلقت الإرادة بالعمل على ما هو عليه كان دليلا على فساد النية والإرادة .