الإرادة والصدق والهوى
اتفاق الهوى والصدق على عمل البر :
قلت : الصدق والهوى متفقان على عمل البر .
قال : إن اللّه قادر على أن يسخر الهوى للصدق . . . وإن كان فقليل . . . والذي يعرف هذا القليل في الناس هم قليل . . . والذي يجهله كثير ، لأن الإرادة للعمل قبل العمل « 1 » ، والهوى والشهوة مما يلي العمل ، والنية والصدق من ورائهما .
فكلما أراد العبد أو هم بالعمل من قريب أو بعيد ، ابتدر الهوى والشهوة والنية الصادقة ( فيهما ) إلى القلب بذكر ما يرجى وما يؤمل من مثل ذلك العمل من حاجات الدنيا وشهواتها ، ومنافعها مرافقها ولذاتها ، وما يؤنس بمثله من الأشياء ، وما حسن موقعه من الناس ، وذكرهم له بالثناء والمحمدة والقدر والجاه والرفعة والرئاسة .
والإرادة الصادقة « 2 » بعد غائبة ، وما دامت غائبة فالقلب يقبل هذه الأشياء ، لا يردّ منها شيئا لأنه لا بد أن يكون للقلب أمل في هذا العمل الذي أراده وهمّ به ، والإنسان أكثر شيء نسيانا ، وأكثر النسيان في ذلك الوقت ، لأن هذه الأشياء التي جاءت بها النفس والهوى إلى القلب مما ذكرنا من الثناء والمحمدة والرفق والقدر والجاه والرئاسة والمنزلة كلها مما يتحلى به القلب ويشتهيه ، ويرغب فيه ، فلذلك تكثر الغفلة والنسيان للإرادة الصادقة .
ولو كان مكان الذي يستحليه القلب ويشتهيه مرارة وكراهية ، لما كان يقبل النسيان والغفلة « 3 » ، ولكن حيث جاءت الموافقة سكن القلب إلى هذه الخلال .
فمن شاء اللّه عز وجل أن ينعم عليه حتى تكون الإرادة الصادقة أمام الهوى وشهوة النفس ، وحتى يريد بالعمل وجه اللّه ، والدار الآخرة ، ففي هذا يكون شغل القلب عند ذلك ، وفيما يؤمل فيه من رضى اللّه عز وجل وثوابه ، وما جاءت به النفس والهوى مما ذكرناه لم
هامش
( 1 ) هذه هي الإرادة العامة للعمل في حد ذاته ، وليس مرادا بها هنا الإرادة الصادقة التي يرضاها اللّه تعالى ويقبل بها العمل .
( 2 ) هذه هي الإرادة التي يرضاها اللّه تعالى ، ويقبل بها العمل . . ويعبر عنها المؤلف بالإرادة الصادقة ، أو بالصدق .
( 3 ) المرارة والكراهية هنا مثالها عكس ما ذكر المؤلف من قبل من : الذم على العمل ، وسقوط المنزلة عند الناس ، وذهاب الجاه عندهم . . الخ .