ألا من لم يقنع بما يكفيه ، كيف يأمن أن يكون ممن قال اللّه فيه :
( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ . حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ . كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ )
« 1 » ؟
وكيف يؤمن من لا يقنع أن يحل به هذا الوعيد من اللّه تعالى فيهلك ؟
أعاذنا اللّه وإياكم من حب الشيطان ، وأنعم علينا وعليكم بالقناعة والتواضع .
يا قوم : إن الغنيمة واللّه في الرضى بالبلغة لا في التكاثر ، والغنيمة واللّه في خمول الذكر لا في الرفعة والرئاسة ، والغنيمة واللّه في ذل النفس لا في التجبر « 2 » . وقد نصحت لكم إن قبلتم ، والقابلون لهذا قليل ، وفقنا اللّه وإياكم لكل خير برحمته .
هامش
( 1 ) سورة : التكاثر ، آية : 1 .
( 2 ) لم يذكر المؤلف رحمه اللّه علاجا لهذه الأدواء الخطيرة ، واكتفى بالتنبيه عليها . ويحسن هنا أن نشير إلى موطن العلة ثم علاجها كما قرر الصوفية في دراساتهم النفسية التي تستحق النظر والانتباه من الدارسين جميعا . لا زلت أؤكد كما ذكرت في تعليقاتي على « علم القلوب لأبي طالب المكي » أن دراسة السلوك الصوفي أجدى بكثير من شغل الوقت بدراسات نفسية وضع أصولها اليهود ، من أمثال « سيجموند فرويد » وغيره لتحطيم القيم وقتل العبقريات .
وإذا تدبرنا علاج النفس المريضة عند الصوفية ، لمسنا الدقة والفطنة والفحولة العلمية والدراسة التجريبية - فالإمام أبو السعود أبو العشائر المتوفى عام 644 . يقول في علاج النفس :
يجب على السالك إذا رأى من نفسه خلقا سيئا من كبر أو شرك أو بخل وسوء ظن أن يدخل نفسه في ضد ما دعت إليه ، ثم يقبل على ذكر اللّه تعالى بالكلية ويستنجد بحوله وقوته ومجاهداته ، فتضعف أخلاق نفسه ، ويكثر نور قلبه ، وينزل اللّه تعالى في القلب ذرة من محبته ، فيترك الانسان الرذائل بدون مكابدة .
ويرى : أن التفرغ لمقاومة النفس أخطر من مرضها .
فيجب على السالك ألا يشتغل بمقاومة نفسه بالكلية ، فإن من اشتغل بمقاومتها أوقفته ، كما أن من أهملها ركبته . بل يخدعها بأن يعطيها راحة دون راحة ، ثم ينتقل إلى أقل من ذلك ، ومن قاومها وصار خصما لها شغلته ، ومن أخذها بالخدعة ولم يتبع هواها تبعته .
وقد تخدعك النفس فتلبس عليك الحال . وهنا يجب وزنها بالميزان الصوفي الذي لا ينخرم ، وهو تصوير ذمها بعد مدحها ، وردها بعد قبولها ، وإذلالها بعد عزها ، فإن وجد عليها التغيير فقد بقي عليه في نفسه شيء ، فيجب مجاهدتها .