الله صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« أصبروا وأبشروا ، فإن الأمر وشيك ، أو كان قد تم » « 1 » .
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام :
« سيأتي بعدي قوم يأكلون أطائب الدنيا وألوانها ، وينكحون أجمل النساء وألوانها ، ويلبسون ألين الثياب وألوانها ، ويركبون أفره الدواب وألوانها ، لهم بطون من القليل لا تشبع ، وأنفس بالكثير لا تقنع ، عاكفون على الدنيا ، يغدون ويروحون إليها ، اتخذوها آلهة دون إلههم ، وربا دون ربهم ، إلى أمرها ينتهون ، وأهواءهم يتبعون » « 2 » .
فعزيمة من محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمن أدرك ذلك الزمان من عقب عقبكم ، وخلف خلفكم ، ألا يسلم عليهم ، ولا يعود مرضاهم ، ولا يتبع جنائزهم ، ولا يوقر كبيرهم ، فإن فعل ذلك فقد أعان على هدم الاسلام .
هامش
( 1 ) أي : النهاية التي توقفكم على فضل صبركم وجهادكم لأنفسكم ، وهذا هو مقام الفقر الحق .
الذي أسس الصوفية قواعده وأهابوا بالمسلمين أن يستمسكوا بعروته ، وليس الفقر كما يفهم الدارسون السطحيون ، ولكنه مقام بالغ الدقة والخفاء .
الفقر هو تجرد القلب عن المظاهر الكونية ، واستقلاله باللّه تعالى وحده ، وتخلي القلب عن الأملاك لأنها شواغل وقواطع لكل عبد يسكن إليها بقلبه ويتعلق بها ويفكر فيها كل وقته أو أكثره . وعلامة صحة التجرد عن الأملاك إلا بتغيير حال الفقير بوجود الأسباب وعدمها ، لا في القوة ولا في الضعف ، ولا في السكون ، ولا في الانزعاج ، ولا تؤثر فيه المهالك ، لا يهزه وجودها ، ولا يستفزه عدمها ، فإن ملك فكأن لم يملك ، وإن لم يملك فكأن قد ملك ، لا يرى لنفسه في الدنيا ولا في الآخرة مقاما ولا قدوا ، وكما لا يرى لا يطلب ، وكما لا يطلب لا يتمنى ، فهو مشتغل بربه ، واقف بلا طمع ، لا يسقط عن نفسه بالرد ، ولا ينهض على الجادة بالقبول ، ولا يعتقد أن طريقه أفضل من طريق غيره .
وقد بالغوا في توضيح خفايا الفقر لدقته وغموضه على أغلب الأذهان حتى أذهان الدارسين المحدثين ، فقالوا : لا بد أن يخرج عن فقره ، بانتفاء شهود فقره ، فاعتقاده في نفسه أنه فقير يخرجه عن شرف الفقر ، والفقير ليس وحشي الطباع ، فلا بد أن يصفو قلبه لكل إنسان ويسلم صدره من كل دنس ، وتسمح نفسه بالبذل والإيثار .
( 2 ) حديث « سيأتي على الناس زمان » : سيأتي تخريجه .