محمد خذني ، فقلت : إليك عني . فقالت : إن تنج مني يا محمد فإنه لا ينجو من بعدك » « 1 » .
فأخاف أن تكون هذه الدنيا لحقتني فقطعتني عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » .
يا قوم : فهؤلاء الأطباء بكوا وجلا أن تقطعهم الدنيا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشربة ماء من حلال .
ويحك ! ! وأنت في أنواع النعيم والشهوات من مكاسب السحت والشبهات ، لا تخشى الانقطاع . أف لك . ما أعظم جهلك ! ! .
ويحك ! ! لئن تخلفت في القيامة عن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم لتنظرن إلى أهوال جزعت منها الملائكة والأنبياء . ولئن قصرت عن السباق ، فليطولن عليك اللحاق . ولئن أردت الكثير لتصيرن إلى وقوف طويل . وصراخ وعويل ، ولئن رضيت بأحوال المتخلفين ، لتنقطعن عن أصحاب اليمين ، وعن رسول رب
هامش
( 1 ) حديث « هذه الدنيا تطاولت » : أخرجه البيهقي وابن أبي الدنيا ، والبزار بسند ضعيف ، وأخرجه الحاكم أيضا في المستدرك وقال : « صحيح الاسناد » - قال العراقي : بل ضعيف . ( إحياء علوم الدين 3 / 198 ، 264 ) .
( 2 ) وقد كانت عناية السلف بالتحذير من الدنيا عظيمة ، قال عبد الرحمن بن عمر : « صاحب الدنيا ببدنك وفارقها بقلبك » . وكان أبو مسلم الخولاني يترك الأكل ويقول : « الخيل إنما تجري وهي ضمر . وكان الحسن البصري يحلف أنه ما أعز أحد الدرهم إلا أذله اللّه .
وقال الباقر رضي اللّه عنه : « إذا أقبلت الدنيا على عبد أعطته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه » .
وقد يدعي الناس أنهم زاهدون في الدنيا ، ويمكن معرفة صدقهم أو كذبهم للحذر والتعليم . فإن رأيت مدعي الزهد محبا للطعام فهو كاذب ، وإن رأيته غبيا قليل الفطنة فهو كاذب ، وإن رأيته منقادا لشهوة الفرج فهو كاذب .
ويرى الفضيل بن عياض للزهد علامات هي أخفى من سابقتها ، فعنده أن من أحب أن يسمع كلامه إذا تكلم فهو كاذب في دعوى الزهد . وإذا وصف الزهاد بالجهل عند الأمراء ففرحوا ورضوا فهم صادقون في دعوى الزهد . فإذا أكثر الانسان من ذم الدنيا عند أهل الدنيا ، فليس بزاهد ، بل هو أرغب الناس فيها ؛ لأن ذمها حينئذ حرفة قبيحة ، فهو يزهدهم فيها ، ثم يأخذها منهم .
فدعواه الزهد في المجلس أخرجته من الزهد في الحال .