وأمرته أن يعطينا . فإن كان أعطاهم ولم يضيع شيئا من الفرائض ، ولم يختل في شيء ، قيل له : قف . الآن هات شكر نعمة واحدة أنعمتها عليك ، من أكلة أو شربة أو لقمة أو لذة . فلم يزل يسأل » « 1 » .
ويحك ! ! فمن الذي يتعرض لمثل هذه المساءلة . إلا كل مستدرج مغرور مثلك ؟
ويحك ! ! إن هذه المساءلة كانت لهذا الرجل الذي تقلب في الحلال ، وقام بالحقوق كلها ، فأدى الفرائض بحدودها ، وحوسب هذه المحاسبة . فكيف تراه من يكون في حال أمثالنا الغرقى في فتن الدنيا وتخاليطها وشبهاتها وزينتها ؟
ترك المال أفضل من جمعه :
ويحك ! ! من أجل هذه المساءلة خاف المتقون أن يلتبسوا بالدنيا ، ورضوا بالكفاف منها ، وعملوا بأنواع البر غير سبب المال . فلك - ويحك - بهؤلاء الأخيار أسوة ، فإن أبيت ذلك ، وزعمت أنك بالغ في الورع والتقوى ، ولم تجمع المال من حلال بزعمك للتعفف والبذل في سبيل اللّه تعالى ، ولم تنفق شيئا من الحلال إلا بحق ، ولم يتغير بسبب المال قلبك في شيء مما يحب اللّه تعالى ، ولم تسخط اللّه عز وجل في شيء من سرائرك وعلانيتك فتخاف .
فإن كنت كذلك - ولست كذلك - فقد ينبغي لك أن ترضى بالبلغة ، وتعتزل ذوي الأموال إذا وقفوا للسؤال ، تستبق مع الزمرة الأولى في زمرة المصطفى محمد صلى اللّه عليه وسلم . لا حبس عليك للمساءلة ، فإما سلامة وإما عطب . فإنه بلغنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :
هامش
( 1 ) حديث « يؤتي بالرجل يوم القيامة وقد جمع » : أورده الغزالي في الإحياء ، وقال العراقي : لم أقف له على أصل » . ( إحياء علوم الدين 3 / 263 ) .