تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وبعد : فالعجب كل العجب لكل مفتون تمرغ في تخاليط الشبهات والسحت ، وتكالب على أوساخ الناس ، وتغمض في المكاسب ، من حيث ما ظفر بها تناولها ! ! نعم . وتتقلب في الشبهات والزينة والمباهاة ، وتتقلب في فتن الدنيا ، ثم تحتج بعبد الرحمن بن عوف ، وتزعم : أنك جمعت المال فقد جمعته الصحابة ، كأنك أشبهت السلف وفعلهم ! ! ويحك ! ! إن هذا من قياس إبليس ، ومن فتياه لأوليائه ، وسأصف لك أحوالك وأحوال السلف ، فتعرف فضائحك ، وفضل الصحابة بأموال أرادوها للتعفف والبذل في سبيل اللّه ، فكسبوا حلالا ، وأكلوا طيبا . وأنفقوا قصدا ، وقدموا فضلا ، ولم يمنعوا منها حقا ، ولم يبخلوا بها ، لكنهم جادوا واللّه بأكثرها ، وجاد بعضهم بجميعها ، وفي الشدة آثروا على أنفسهم كثيرا ، فباللّه أكذلك أنت ؟ واللّه إنك لبعيد الشبه بالقوم .

تفصيل حال الصحابة في جمع المال :

وبعد : فإن خيار الصحابة كانوا للمسكنة محبين ، ومن خوف الفقر آمنين ، وباللّه عز وجل مسرورين وفي البلاء راضين ، وفي الرضا شاكرين ، وفي الضراء صابرين ، وفي السراء حامدين ، وكانوا للّه متواضعين ، وعن حب العلو والتكاثر ورعين ، لم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم ، ورضوا بالبلغة منها ولا رجو الدنيا ، وقد أقرضوها قرضا « 1 » وقطعوا أمورها قطعا ، وصبروا على مكارهها ، وتجرعوا مرارتها ، وزهدوا في نعيمها وزهرتها ، فباللّه أكذلك أنت ؟ واللّه إنك لبعيد الشبه بالقوم . ولقد بلغنا أنهم كانوا إذا أقبلت الدنيا عليهم حزنوا « 2 » ، وقالوا : ذنب عجلت عقوبته ، وإذا رأوا الفقر مقبلا قالوا : مرحبا بشعار الصالحين .
هامش
( 1 ) في الأصل : وقد رضوها . تحريف . ( 2 ) في الأصل : يحزنوا .