قال : قطع علائق الأشغال ، ولزوم العلم ، والتعاهد بالعناية والرعاية .
قلت : ما علامة ظاهر المراقبة ؟
قال : إن الحالة التي تكشف عن حال المراقبة : اجتماع أطرافه ، والانفراد بها عن غيرها ، حتى إذا نظر إليه ناظر قال : هذا ساه مشغول القلب ، مفسود العقل ، لما قد تمكن فيه من دوام مراعاة المراقبة ، ولزوم العناية .
قلت : اكشف لي ما تقول ، أي شيء علامة هذا ، حتى يصح عندي أنها هي ؟
قال : نعم يا فتى ، ربما مر الرجل الذي يعرفه فينكره ، وربما كلم فلم يتكلم ، وربما مشى فلم يلتفت ، حتى يصير إلى الموضع الذي يريده ، لما غلب على عقله ، واستولى على همه من أخذ المراقبة لقلبه ، كما روى عن عتبة الغلام « 2 » أنه كان يمشي في طرقات البصرة باسقاط التمييز في الخلق ، وربما مر بوالده فلا يكلمه ولا يسلم عليه حتى يعتبه ويشكوه إلى اخوانه ، فيقولون له : إذا مر بك بعد هذا فحركه ، فإنه لا يعلم بمكانك .
وكما روي عن عبد الواحد بن زيد أنه قيل له : هل تعرف في زمانك هذا رجلا قد اشتغل بحاله عن الخلق ؟ قال : ما أعرفه ، إلا أن رجلا سيدخل عليكم الساعة . فما كان أسرع من أن دخل عتبة الغلام ، فقال له عبد الواحد بن زيد : من أين جئت ؟ قال : من موضع كذا وكذا ، وكان طريقه على السوق . فقال له عبد الواحد : من لقيت في طريقك ؟ قال : ما رأيت أحدا .
وكما روي عن بعضهم : أنه كان يختلف إلى أستاذيه عشرين سنة ، وكان طريقه على السوق ، ولم يكن يميز بين رجل وامرأة « 3 » .
وكما روي عن يحيى بن زكريا عليه السلام : أنه مر بامرأة فدفعها على
هامش
( 2 ) عتبة الغلام . انظر ترجمته في طبقات المناوي 1 / 170 .
( 3 ) ومن هذا اللون ما رواه الجنيد البغدادي : أنه كان يخرج مع الحارث المحاسبي إلى الصحراء ، فكان يسير إلى جنبه ، وكأن الطريق خال وليس معهما ، أحد ، وهما في شوارع بغداد .