موقنا بعظمته وكبريائه ، راضيا غير مختار ، يتوقع مواقع القدر من الجبار ، قد أخرج من قلبه التملك والاختيار لنفسه ، لموضع الثقة منه بربه ، وحسن الظن بسيده ، فألف القلب محبته ، واشتاق إلى رؤيته ، فألهمه علما من علمه ، وعرفه ما لم يكن يعرف ، فعن اللّه سبحانه أخذ علمه ، وبأمر اللّه عز وجل أدب نفسه ، حتى طهرت له أخلاقه ، وغابت مساويه ، وظهرت محاسنه ، لما آثر ربه ، على محبة نفسه ، فتمت عليه من اللّه النعمة في الدنيا والآخرة .
قلت : ففي أي شيء أكثر صنيعهم ؟ وما الغالب على قلوبهم في جميع أحوالهم ؟
قال : كثرة الذكر لمحبوبهم على طريق الدوام ، لا ينقطعون ولا يملون ولا يفترون . أجمع الحكماء على أن من أحب شيئا أكثر من ذكره ، فذكر اللّه عز وجل هو الغالب على قلوب المحبين للّه تعالى ، لا يريدون به بدلا ، ولا يبغون عنه حولا « 5 » .
ولو قطعوا عن ذكر سيدهم لفسد العيش عليهم ، ولتشتتوا في أمورهم ، ولتنغصوا في أحوالهم ، فذكر اللّه هو المستولي على همومهم وعقولهم كما قال فتح الموصلي « 6 » : « ايثار محبة اللّه عز وجل على محبة نفسك من علامة حبك للّه عز وجل » .
فالمحب للّه عز وجل لا يجد مع الحب للّه عز وجل لشيء لذة ، ولا يغفل عن ذكر اللّه عز وجل . قال فرقد السبخي « 7 » : « في بعض الكتب : لن يسأم المحبون للّه عز وجل من طول اجتهادهم ، يحبونه ويحبون ذكره ، ويحببونه إلى خلقه ، ويمشون بين عباده بالنصائح ، ويخافون عليهم يوم تبدو الفضائح ، أولئك
هامش
( 5 ) ليس المراد الذكر اللساني وحده ، بل المراد جميع أنواع الذكر : اللساني ، والقلبي الخفي ، والذكر عند الأمر بالمبادرة اليه ، وعند النهي بمجانبته .
( 6 ) فتح الموصلي : أنظر ترجمته في طبقات المناوي 1 / 145 .
( 7 ) فرقد السبخى . بالباء والخاء . ويخطئ من يجعلها بالنون والجيم ، نسبة إلى السبخة ، زاهد عالم عابد ، مات عام 204 ه .