رجوت أن تكون سببا لصحو قلبي ، والبرء من سقمي ، والفرج من كربي ، والحياة من موت قلبي ، فلا تبعدن عليّ .
قال : اصبر على جفوة الطبيب المتفقد ، والدليل المرشد ، تجد المنفعة عند عواقب أمورك ، وأعلم أني إنما أكويك لأبرئك ، وأداويك لأشفيك ، وأجرعك المرارة لتعقبك الحلاوة ، وأحملك على الشدة لتصير إلى موضع الراحة ، وأحضر بك الخشونة لتصير إلى موضع اللين والسهولة .
قلت : أفهمني معنى ما تقول .
قال : أو لم تفهم معنى قولي لك ؟ إني أخاف أن تكون قد أتعبتني .
قلت : قد فهمت عنك ، إلا أني قد طلبت الزيادة من حسن شرحك ، ليزداد فهمي بتكرير الألفاظ منك إليّ ، لأنه ليس الشاهد الواحد مثل الاثنين ، ولا الخبر مثل المعاينة .
فقال : أحسنت . ثم سكت سكتة ، ثم قال : لا يغرنك ثنائي عليك ، وحسن الألفاظ مني إليك ، فإني إنما أضع لك الأساس لترفع البناء ، ولا تفرح بالوصف دون العمل ، ولا تعمل العمل بغير وجل ، ولا تستحسن الوصف لاستكثار العلم ، وعليك بالجهد والاجتهاد ، ودوام الكد والمبادرة ، والانكماش « 8 » ، فإنك مطلوب ، فاعمل على اليقين ، واترك الشكوك ، وكن وصي نفسك ، ولا تؤخر اليوم لغد ، ولا تتوان في التوبة ، فإن الموت يأتي بغتة .
ألا وأن الدنيا ميدان السابقين ، وسجن المؤمنين « 9 » ، وروضة
هامش
( 8 ) - الانكماش : اجتماع الهمة وعدم تشتتها ، والتفرغ الكامل لطلب المعرفة .
( 9 ) كتب القاضي أبو زيد الدبوسي بابا كبيرا في كتابه ( الأمد الأقصى ) بعنوان ( كتاب السجن والمملكة ) فيه تفاصيل لم يسبق إليها . ولم يلحق بها في بيان كون الدنيا سجنا حابسا لحرية المؤمن من كل جهانه ، وأن الحرية الكاملة في الآخرة ، فليرجع إليه من أراد في دار الكتب المصرية برقم 845 تصوف . ومنه نسخة ناقصة قليلا في المكتبة الأزهرية فهرس التصوف . الجزء الرابع من الفهارس .
قامت الدار بطبع هذا الكتاب من تحقيق ابن المرحوم عبد القادر عطا . الناشر