تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
يا فتى ، إن الحالة التي تجمع لك الحالات هي كلها في حالة واحدة : هي المراقبة ، فألزم نفسك وقلبك دوام العلم بنظر اللّه إليك في حركاتك وسكونك وقعودك ، وذهابك ومجيئك ، فإنك بعين اللّه عز وجل ، في جميع منقلبك ، وإنك في قبضته حيث كنت ، وإن عين اللّه على قلبك ، فناظر إلى سرك وعلانيتك . وهذه الصفة يا فتى بحر ليس له شطآن ، بحر تجري منه السواقي والأنهار ، وتسري فيه المراكب إلى معادن الغنيمة . قلت : فما معنى قولك في البحر ، والتمثيل به ؟ قال : أما البحر فهو العلم الذي وصفته لك ، وهو العلم الذي ليست له نهاية ولا غاية ، وهو علم القلب بقرب الرب ، وهو العلم الذي يؤدي إلى العظمة ، وهو البحر الذي ليس له حد ولا نهاية . حصرت قلوب العارفين عن التفتيش بكيفيته ، وانقطعت أوهام الموقنين باستدراكها بالكلية ، ورجعت أبصار قلوبهم خاسئة هائبة ، إجلالا وتعظيما لما سارت أوهامها في بحر المعرفة ، ولججت في تيارها ، وأقلعت بها شرعها « 5 » ، رجاء سرعة السير إلى كنوز العلم منها . قلت : أي شيء بلغوا من ذلك ؟ قال : إنما مبلغهم من ذلك على ما طاب لهم الريح ، وسارت بهم الريح ، واستقاموا على الاستواء حتى وصلوا إلى معادن الجواهر ، فتخيروا منها نورا يسطع بالهداية . قلت : رحمك اللّه ، قد صعبت على الأنوار ، ودققت على المذاهب وأبعدت على الشقة ، بعد أن رجوت بلوغها ، وحدثتني نفسي بطول المدة قبل بلوغ الغاية .
هامش
( 5 ) شرعها : بضم الشين والراء جمع شراع .
الوصايا — صفحة 281 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا