واستعمال في خلواتها ، ووجود في غدواتها ، ومسير إلى مناهلها ، وفوائد في زوائدها ، وفطنة في بصائرها ، ونفاذ وهم في استدراك مرادها .
قلت : فأي شيء يعقد المعرفة بالقلوب بعد جولانها ، وأي شيء تولده بعد هيجانها ، وما الذي تورثه وتخلفه بعد سكونها وهدوئها ؟
قال : خصال ست غير معدومة عند أهلها .
قلت : اذكر لي منها .
قال : الخوف المبرح لصفاء معرفتها « 2 » ، والصفاء الدائم لما رأت من ألطاف سيدها ، وكثرة العلم والحلم ، وطول الألم والأسى وخوف الفوت « 3 » ، وحب فراق الدنيا ، والتوحش من أهلها « 4 » .
قلت : أجمل لي حالات العارفين ما هي ؟
قال : عن أي حالات العارفين تسأل ؟
قلت : أريد أن تدلني منها على حالة تثبتني في التواضع ، وتكمل لي الحياء ، وتجمع لي الرعاية ، وتمزج لي السرور بالمقدور ، وتسقط عني كثيرا من الإعجاب ، ويدخل عليّ منها مطالع الامتناع عن كل سبب يجر إلى دواعي فتنته .
قال : الحمد للّه الذي وفقك للصواب ، ودلك على الرشاد ، وكشف عن قلبك غطاء ظلمة الجهل . الآن رجوت أن تكون قد قربت من المعرفة ، ووصلت إلى بابها .
هامش
( 2 ) يكون الخوف مقارنا لصفاء المعرفة ، لأنها تكون قد كشفت عن الحقائق واضحة ، ومن ثم يخاف العارف أن تضطرب فيفقد عرفانه .
( 3 ) المعرفة تعقب الألم ، لأن العارف يعلم أنه لم يقم بحقها ولن يستطيعه . ويخاف أن يفوت عمره دون أمنيته .
( 4 ) يتوحش العارف من أهل الدنيا لما سيطر عليهم من الجهل والعمى .