النفس عن إرادة الدخول في معرفة الجليل جل جلاله ، وعظيم عظمته ، وكبير كبريائه .
ولو اجتهدت قلوب العارفين الأولياء بحدة فهومهم ، وإثبات يقينهم ، وقوة علومهم ، وخفي مرادهم ، وقرب ذهنهم ، وسعة فطنتهم ، وكشف عينهم ، ونفاذ هممهم إلى استدراك مرادهم ، ونمائص الفتنة من بصيرتهم ، وحسن عقولهم ، وفراغ قلوبهم لمطالبة ارادتهم ، وإصابة توفيقهم ، لكان ما نالوه عندما لم ينالوا من جميع ما أرادوا كلا شيء .
فسبحانه جل جلاله وثناؤه ، وتقدست أسماؤه ، حصرت قلوب أولي الألباب عن التفتيش في ذلك بكيفيته ، وانقطعت أوهامهم عن مبلغ استدراك علومهم بكليته ، ورجعت أبصار قلوبهم خاسئة إجلالا لعظمته ، بقدرته كون الأسباب تكوينا ، وأتقن الصنع إتقانا متينا ، وكل شيء كان فهو قبله ، وكل شيء يكون فهو بعده .
خلق الأشياء بدلالة مستدل تدل على دلالته ، وأحكمها صنعا بغير مثال سبقت بدايته ، وكان أعظم الأشياء لا شيء حين لا شيء وكل شيء كان فمن مشيئته ، شاء الأشياء بلا مشيئة شيئت من غير مشيئته « 3 » .
فتبارك منشئ الأشياء وهو شاءها من قبل وميزها ، وتبارك من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير « 4 » .
هامش
( 3 ) يعني أن مشيئته سبحانه وحدها هي التي تعلقت بالأشياء بلا مشيئة غيره .
( 4 ) في هذه الآية يتجلى التنزيه والتشبيه ، فليس كمثله شيء تنزيه ، وهو السميع البصير تشبيه يرجع إلى التنزيه . وبيانه : أن السمع والبصر من صفات الإنسان ، وقد أثبت اللّه تعالى لذاته سمعا وبصرا ، والحكم الحق هنا : إثبات ما أثبته لنفسه دون البحث عن كيفيته ، والإيمان به كما ورد دون تأويل ولا تفسير على مذهب السلف ، فنحن نثبت الوصف الحميد للّه تعالى ، وننفي عنه ما يشبهه بخلقه كما في الآية . . أما الخلف فقد أجازوا تأويل هذه الكلمات المتشابهة في مواجهة أهل الالحاد والتجسيم لما تعاظم خطرهم على الفكر الاسلامي - والآية :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُمن سورة الشورى : 11 .