رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي * من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
وكما قال : دخلت على بكر بن عبد اللّه المزني « 6 » أعوده فقال : « يا اخوتاه ، لقد بت بليلة ما يسرني أنها أعيدت وأن لي كذا وكذا ، وما يسرني أنها إذا كانت لم تكن » .
فإذا علمت أن اللّه عز وجل ناظر إليك في احتمالك مئونة ما قضاه عليك احتملت ذلك لعلمك بنظر اللّه إليك في حالة المحنة . يرى منك استبسالك ، وإلقاء كنفك ، وشدة فاقتك ، وحسن تذللك ، وسرعة قبولك ، واستقبالك المحن سرورا بمفاجأة المحن ، والرضا بذلك ، لأن اللّه عز وجل يحب ذلك من عباده . قال اللّه عز وجل لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا . . .
« 7 » .
وقال ابن عون « 8 » : لما بعث الحجاج في طلب سعيد بن جبير ، وأخذ عليهم المواثيق لئن رأوه لا يدعونه ، فأخذ ، فرأت الرسل شيئا مما وهبه اللّه تعالى له ، فأعجبهم ذلك وراعهم ، فأقبلوا يبكون ويتنصلون وقالوا : اعذرنا عند ربك . فقال سعيد : « ما أعذرني لكم ، وأرضاني بما سبق من علم اللّه فيّ » .
قلت : يرحمك اللّه ، ما وجود الرضا في القلب ؟
قال : علم القلب بتوفيق اللّه عز وجل ، وأنه نعمة من اللّه تعالى ، أسعفهم وهداهم للبصيرة ، ومن عليهم بالرضا ، فعندئذ يكون للشكر هياج في القلب يقويهم على دوام الرضا عن اللّه عز وجل .
قلت : يحتاج الراضي إلى سبب يثبت به ، ويزيد في قدر الرضا عنده ؟
قال : نعم ، خوف السلب يديم له حالات إثبات الرضا ، ومعرفة التقصير
هامش
( 6 ) بكر بن عبد اللّه المزني من كبار العلماء الزهاد ، وأهل الحديث ، مات عام 220 ه .
( 7 ) الطور : 48 .
( 8 ) ابن عون ، محمد بن عون عالم زاهد محدث عاش في البصرة ، ومات عام 330 ه .