تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
وغيرهم من أسباب الخلاف بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل ، حيث كان يرى أحمد إهمال هؤلاء المارقين ، ويرى الإمام المحاسبي الهجوم عليهم ، وتفنيد أفكارهم ، وتعريتها أمام الجمهور . ونحلة القول بخلق القرآن كانت نحلة اعتزالية في أصلها وفرعها ، وهذا عدو من أعدائها ، فلما ذا لم يحمل مع من حمل للمحنة ، ولما ذا لم يتعرض للتعذيب كما تعرض غيره من العلماء . ولكي نجيب على هذا التساؤل يجب أن ندرك أن غير المحاسبي من ذوي الشأن في ذلك العصر لم يتعرضوا هم الآخرون لأذى السلطان في شأن خلق القرآن ، من أمثال : بشر بن الحارث الحافي ، والسري السقطي وغيرهما من أصحاب مدارس التصوف . ولكن الفرق ثابت بين هؤلاء وبين المحاسبي ، فلا السري ولا الحافي ولا غيرهما من رجال التصوف كانوا يهاجمون المعتزلة ويكتبون في تجريحهم الكتب ، ويعقدون حلقات العلم . بل كان نشاطهم مقصورا على السلوك ، وعلى بعض روايات السنّة ، . . . فالقول بأن المحاسبي كغيره من هؤلاء لم يكونوا موضع اهتمام السلطان في شأن المحنة قول غير مستقيم ، من جهة أن المحاسبي إمام مجتهد محدث متكلم له باع طويل في تسفيه المعتزلة أفزع الإمام أحمد نفسه . والذي نستطيع أن نقرره الآن : أنه ربما اعتمدت السلطة على النزاع الذي كان قد ثار بين أحمد وبين المحاسبي فظنت أنه لا خطر من المحاسبي . . . أو أنهم عرفوه بما اشتهر عنه من الصلاح ، وحب الخفاء والنفور من اجتماع الناس حوله ، فلم يروا في رأيه مغنما لهم ، ولا تأثيرا في الناس ، ما دام الناس لا يشكلون اهتماما للمحاسبي في حياته وهو الذي يقول : « واللّه لو أن نصف الخلق قد بعدوا عني ما استوحشت لبعدهم ، ولو أن النصف الآخر اقترب مني ما أنست بقربهم » . كان المحاسبي معنيا بإصلاح البواطن ، وكان أحمد بن حنبل معنيا بظاهر الشريعة ، ومن هنا كانت فتنة خلق القرآن ألصق بظاهر العلم منها بباطنه