شخصيته في شخصية المدرسة التي انتسب إليها كما هو شأن الغالبية العظمى من العلماء .
4 - أنه لا يعتمد على عموميات مشهورة في إصدار أحكامه ، وإنما يعتمد على المشاهدة الشخصية ، ومن أجل هذا عني المحاسبي بدراسة أحوال مجتمعه بنفسه ، كما يبدو ذلك واضحا من حديثه عن الغزاة والتجار والقراء والصوفية في كتابه هذا الذي نقدمه للقراء ، إذ أنه لم يصدر حكما إلّا بعد مشاهدة وسماع شخصي ، وهو سبق لم نعهده في الفقهاء ولا في علماء السلوك إلّا نادرا من بعده .
5 - أن ذاته الداخلية كانت من القوة والمتانة بحيث لم يحتج إلى أن يضفي على ظاهره ما يقوي شخصيته ، فلم يحفل بالشهرة لا هو ولا مدرسته بين علماء بغداد ومدارسها ، وذلك على الرغم من أن اجتماع تلاميذه به في حلقة درسه كان على صورة لم تعهدها مدارس العلم ، إذ كان الوقت المختار له ولهم هو : ما بعد العشاء الآخرة حتى صلاة الفجر . وهذا عمل كان يمكن استغلاله في الدعاية والشهرة ، ولكنه لم يفعل لغناء ذاته الداخلية عن كل شيء إلّا الإيمان والحب والنصح وغيرها من مقومات الشخصية السوية المستقيمة .
6 - لم يكن كغيره من العلماء يحاول الانتصار لنفسه بما يشبه الحق من البراهين الملتوية ، لا سيما إذا ورد عليه النقد ممن هو أنزل منه علما أو قدرا .
قال الحارث : عملت كتابا في المعرفة ، فأعجبني ، فدخل علي شاب عليه ثياب رثة ، وأنا أنظر في الكتاب مستحسنا إياه ، فقال لي : يا أبا عبد اللّه المعرفة حق للخلق على الحق ، أو حق للحق على الخلق ؟ قلت : حق للخالق على الحق . قال : هو أولى أن يبذلها لمستحقيها . قلت : بل حق للحق على الخلق . قال : هو أعدل من أن يظلمهم . فأخذت الكتاب وخرقته ، وقلت : لا أعود أتكلم في المعرفة أبدا .
فلو أن عالما من المحدثين حدث له ذلك لملأ الدنيا صراخا وعويلا لينتصر
الوصايا — صفحة 23
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٢٣