تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
لنفسه بالباطل فضلا عن الحق ، في الوقت الذي كان فيه للحارث وجه للدفاع عن نفسه وعن كتابه ، لأنه يتحدث عن المعرفة من حيث التربية والشريعة والأمر والنهي ، أما الشاب فيقصد المعرفة من حيث القسمة الإلهية الأزلية ، وهي الحقيقة ، فاختلف الوجهان ، وكلاهما مصيب ، ولكن الحارث كما قلنا قوي في ذاته الداخلية ، وليس في حاجة إلى لجاجة ولا جدال ليثبت هذه القوة ، أو ليضفي على نفسه قوة زائفة من الغرور والإعجاب . 7 - لم يكن عالما متخصصا يغلق فكره على فرع معين من فروع المعرفة ، وإنما كان رجلا متعدد المواهب ، مجيدا في كل ما اقتحمه من ميادين المعرفة . فهو فقيه ، محدث ، أصولي ، متكلم ، عالم بالتحليل النفسي ، خبير بالمجتمع وتحركاته الظاهرة والخفية ، متطلع إلى مذاهب غيره من الفقهاء والمفكرين في أرجاء الإسلام ، ناقد بصير لا سيما في قضايا الصوفية التي بدأت تختلط في عصره ، ويسود أهلها في بعض أحوالهم جهل بالحديث والأخبار ، وغلظة في إصدار الأحكام . 8 - كان ملتزما بكل ما يقول أو يكتب . . . فلم يكتب حرفا إلّا التزم به سلوكا ، ومن هنا آثر الورع يوم مات أبوه ، وهو في حاجة إلى دانق كما يقول الجنيد البغدادي ، فرفض ميراثه من أبيه ، لأنه كان يرى كفر القدرية ، وليس بين أهل ملتين توارث . ورغم الخلاف في كفر القدرية ، رغم عدم مسئوليته عما شاب مال أبيه من الحرام ، فإنه آثر الورع ، وفضّل الجوع على أن يقبل ما لا فيه شبهة . * * * والغريب في أمر المحاسبي ، والذي لم أستطع له تفسيرا يقوم على سند مكتوب ومأثور هو أنه نجا من محنة القول بخلق القرآن ، وكان معاصرا لها ، وكان رأسا من رؤوس العلم ، وصاحب مدرسة كبرى يمكن أن يفيد منها القاضي أحمد بن أبي دؤاد في نحلته التي انبرى لنصرتها . كان المحاسبي يهاجم المعتزلة وغيرها من الفرق ، وكان هجومه على المعتزلة
الوصايا — صفحة 24 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا