تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصايا — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
الحارث بن أسد المحاسبي الذي سبق الغزالي بمزج الفقه الإسلامي مع عنصره الروحاني والنفسي ، فجاء أستاذا فريدا في بابه ، سابقا في منهجه لم نعرف له نظيرا سبق عليه ، ولا لحق به في مضماره كمنهج عميق من التحليل النفسي لأول مرة في التاريخ ، واستخدام هذا التحليل النفسي في خدمة شريعة الإسلام لأول مرة في الفكر الديني على الإطلاق . نشأ الحارث في بيت علم وثراء . فأبوه كان واسع الثراء ، وكان معنيا بالفكر الديني ، إلّا أنه كان قدري المذهب ، ولم يكن سنيا مستقيم الطريقة . ولكن الحارث على أي حال فتح عينيه على الحياة فرأى أباه من رجال الفكر ، مما كان له بالتأكيد أثره على اتجاه الحارث نحو الفكر هو الآخر ، ولكن لا على وجه التقليد الأعمى ، وإنما كان اتجاهه يكشف عن شخصية مستقلة ، وعقل يأبى إلّا العمل والدوران في أفلاكه حتى يرسم معالم طريقه بنفسه ، ولا يرسمه له الآباء ولا العشائر . وانتقل الأب بأسرته وفيهم الحارث إلى بغداد ، وبين مدارسها ، ولفظها الجدلي ، ودار حكمتها ، وحركتها الثقافية التي لا تهدأ ، والتي كانت مدا قويا لفتوة الإسلام في الحقيقة ، وفجأة تبدأ أول البوادر الفريدة في شخصية الحارث المحاسبي الفريد هو الآخر . فلقد اختار الولد طريق السنة معارضا قويا لأبيه ، وظهرت تلك المعارضة علانية عند « باب الطاق » في بغداد ، إذ أمسك الحارث بأبيه هناك ، وجمع حوله الناس ، وقال له على مسمع منهم : طلق أمي ، فإنك على دين وهي على دين غيره . وذلك أن الرجل كان قدريا ، وأن ابنه كان يؤكد كفر القدرية . لم تمنعه حشمة الأبوة عن إعلان رأيه ، وإنذار أبيه ، ما دام الأمر يتصل بالإسلام الذي بدأ يسري في أوصال الحارث ، ليجعل منه هو الآخر صورة متحركة مجاهدة قويمة قوية الحركة والكلمة ، صادق صدق الإسلام ، ونقية نقاءه ، ومنصورة بنصر اللّه القاهر .
الوصايا — صفحة 20 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا