ومنهم من إذا بلي بالمدحة لم يسر بها ، لعلمه بضررها ، غير أنه لا يجد في نفسه الكراهة ولا الاغتمام لها ، فهو على خير إن شاء اللّه ، وبقي عليه من الإخلاص بقايا .
ومنهم من إذا بلي بالمدحة ساءته ، وكرهها في نفسه ، وعجز عن الغضب على المادح ، فهو على خير ، ويرجى له الوصول إلى الصدق .
ومنهم من إذا بلي بالمدحة غضب منها ووجد على المادح ، فهذا في باب المدحة على سبيل هدي وبقي عليه في باب المذمة بقايا .
ألا وإن الناس عند المذمة أصناف :
فمنهم من إذا ذم غضب على الذام وحقد عليه ، والتمس الانتقام منه ، فهذا متحير هالك ، أو يتوب عليه .
ومنهم من إذا بلي بالمذمة يتمغص من مقالة الذام ، إظهارا للورع تزينا ورياء ، ويلتمس مما قيل فيه المعاذير ، وإن نيران المذمة تشتعل في جوفه ، يتمنى فضائح الذام وبواره ، فهذا قريب من الأول ودونه في الهلاك .
ومنهم من إذا بلي بالمذمة يتمغص منها ، ويتجرع مرارتها ، خشية أن يصاب بأكثر منها ، وإن بغض المذمة مستوطن في قلبه .
ومنهم من إذا بلي بالمذمة كرهها ، ووجد منها ، وجاهد نفسه على الصبر عليها ، رغبة في الثواب ، لا يحقد على من ذمه ، غير أنه يستثقل الذام ، فهذا في طريق المجاهدة يقع مرارا ويقوم مرة .
ومنهم من إذا بلي بالمذمة سبق إليه الكراهية ، فيرجع ويتيقظ ويعلم أنه مستوجبها فيسرى ذلك عنه ، غير أن حال الذام في قلبه بخلاف حال من لم يذمه . فهذا على خير ، وبقي عليه من الصدق بقايا .
ومنهم من إذا بلي بالمذمة لم يكرهها ، لكن تواضع وخضع لها ، وأجرى الذام له ومن لم يذمه بمنزلة واحدة ، فهذا على المحجة يرجى له الوصول إلى الصدق .
الوصايا — صفحة 194
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص١٩٤