« لو كان صاحبك حاضرا فرضي بالذي قلت فمات ، دخل النار » .
أيها المفتون : وهذا جزاء من ختم أعماله بالرضى بالتزكية .
ويحك أيها العابد : قد كان في الصحابة كثيرا أرادوا اللّه بأعمال البر كإرادتك بزعمك ، وحاشا للّه أن تكون مثلهم أو يكونوا مثلك ، لقد كانوا للثناء والإجلال أهلا ، وهم مع فضلهم وتقواهم ، أشفق عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ضرر المدحة ونهاهم عنها ، وقال للمادح :
« ويحك قطعت ظهره لو سمعك ما أفلح إلى يوم القيامة » « 1 » .
وقال لهم :
« ألا لا تمادحوا ، وإذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب » « 2 » .
يقولها صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إشفاقا على الممدوح أن يفرح بالمدحة ويرضى بها ، فيضر نفسه بدينه ، وعساه لا يفلح منها أبدا ، فحذرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتنة المدحة ، قبل أن تحل بهم ، وأنت تزعم أنك إذا مدحت فرحت ، ورضيت بالمدحة ، لأن ذلك لا يضرك ؟
ويحك ! ! ما أجهلك بالذي علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ضرر المدحة .
أحوال السلف في المدح :
وبعد : فتدبروا أحوال الصحابة رضي اللّه عنهم ، فقد كانوا أعلم باللّه تعالى وأخشى له منكم « 3 » وأخلص أعمالا ، وكانوا مع ذلك وجلين من المدحة ،
هامش
( 1 ) حديث « ويحك قطعت ظهره » : أنظر : إحياء علوم الدين 3 / 282 .
( 2 ) حديث : « ألا تمادحوا ، وإذا رأيتم » : أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن المقداد بن الأسود ، والطبراني وابن حبان عن ابن عمر ، والحاكم في الكني عن أنس . وأورده العجلوني في كشف الخفا حديث رقم 237 ، بلفظ : « إذا رأيتم . . . » .
( 3 ) في الأصل : منك . خطأ .