النتن والقذر ، ولكن بجهله قد يرضى بما يسخر منه ، ويستهزأ به ، مع علمه أنه بخلاف ذلك الذي قيل له ، عما في جوفه « 1 » من القذر والنتن ، ومع ذلك فهو يفرح بالمدحة .
وكذلك المتلوث في الذنوب ، أقذر - واللّه - وأنتن من العذرة ، وأولى بالمذمة في الآخرة والدنيا ، وقد رضي بالمدحة جهلا ، وعساه مستوجب للمقت من ربه ، فمن أخسى منه لو يعملون « 2 » .
الرضي بالمدح من قياس إبليس :
يا قوم : فمتى بليتم بالمدحة ، فجاهدوا أنفسكم على نفي ذلك عن القلوب ، بالكراهة والوجل من المدحة ، وقد أشفق عليكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منها ، ونهاكم عن التمادح ، لعلمه بأنها مضرة « 3 » .
فاتقوا اللّه أن ترضوا بالمدحة لكم ، ولا يغرنكم الشيطان وأولياؤه من الإنس ، فإنهم يزعمون أنهم إذا أرادوا بأعمال البر وجه اللّه ، لم يضرهم الفرح والرضى بالمدحة . فهذا من قياس إبليس ، وآرائه فتنة لأوليائه .
ويح المادح والممدوح : كيف جهلوا رشدهم فكرهوا مذمة لا تضر ، بل يؤجرون عليها ؟
ورضوا بالتمادح بينهم ، خلاف وصايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لقد جهل القوم جهلا بينا .
هامش
( 1 ) في الأصل : بما في جوفه . تحريف .
( 2 ) وقد يظهر أمثال هؤلاء ألهم من المدح ، طلبا لزيادة المدح بهذا النفور منه ، فيمعنون في غيهم ، ويعلنون أنهم أقل من أن يمدحوا . وأنهم مذنبون ، وأنهم لا يعلمون شيئا ، وحينئذ يقعون في مشكلة معقدة غاية التعقيد حيث يضلون غيرهم بنفاقهم وتنشأ على أيديهم أجيال المنافقين الذين يخرجون الذمم والضمائر بنفاقهم ، وينسحب هذا الحكم على غيره من الأخلاق .
أما النافر من المدح حقا ، فإنه لا يعود إلى العمل الذي استوجب من أجله المدح .
( 3 ) في الأصل : أنها مضرة .