الخوف والحذر أفضل من الركون إلى المدح :
أفتنا برأيك أيها المفتون ، أي الأمريين أصلح لديننا ؟ أن نخاف وتحذر ما حذرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ضرر المدحة ، ونجاهد أنفسنا على نفي السرور من القلوب إذا بلينا به ، ونستغفر اللّه تعالى منه ؟ أو نتكل على قولك إن الفرح والرضى بالمدحة لا يضر ، فنزكي أنفسنا لقول المغرور « 1 » ونرضى بالمدحة ، ونرتاح لها لرضاك بالمدحة وارتياحك لها ؟
ثم تحسب أنك مع ذلك من المخلصين ، وعساك بشر المنازل عند اللّه تعالى ، غير زكي ولا حميد .
أف لك أيها المغرور الفاسق لنفسه وللأمة . تذكر ما أقول لك ، فإني ناصح لك ، [ يجب أن ] « 2 » تكره المدحة ، وتخشى الفتنة فيها ، فقد خوفك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منها ، ومتى وجدت حلاوة المدحة والسرور بها ، فجاهد نفسك على أن تقي ذلك عن قليل ، واستغفر اللّه تعالى من فرحك بالمدحة ، كتائب من الذنوب ، وكن بعد المجاهدة والتوبة خائفا ألا تكون نصحت في التوبة ، ولم تجاهد نفسك في اللّه حق جهاده ، لأنك لم تصل إلى بغض المدحة ، ولا إلى الغضب على المادح ، كفعل الصحابة رضي اللّه عنهم . فكن عارفا بإساءتك إذا فرحت بالمدحة ، وكن وجلا من العقوبة إذا رضيت بها ، وكن مشفقا لعلك ألا تكون عند اللّه تعالى من المحبين لها ، فإن علمك بها أنفع من العبادة مع الجهل بما وصفنا « 3 » .
هامش
( 1 ) في الأصل : إلى قول المغرور .
( 2 ) ما بين المعقوفتين : سقطت من الأصول .
( 3 ) تلك دعوة إلى تصحيح العبادة وليست دعوة إلى هجران العبادة فالعبادة لا تتم مع الفرح بالمدح بها أو بالعلم فيها أو في غيرها لأنها فرض ، وحتى النوافل لا يجوز الفرح بها لأنها الجبر ما نقص من الفرض ، وليس هناك نافلة خالصة الثواب إلا للرسول صلى اللّه عليه وسلم « ومن الليل فتهجد به نافلة لك » .
ولكن النافلة من غيره كالفرض ، محاولة للتقرب من جناب اللّه .
أما ما جاء في الحديث القدسي : « وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وعينه التي يبصر بها ، ويده التي يبطش بها . . . . » الحديث . فظاهر