يكرهونها ويبغضونها من المادح « 1 » إشفاقا من الفتنة فيها ، وأنت تزعم أن رضاك بالمدحة لا يضرك ، كأنك أرجح صدقا وإخلاصا من السلف ، كأنك أقوى على نفي الفتنة منهم .
كذبت أيها المفتون . ولقد بلغنا عن عدد من الصحابة رضي اللّه عنهم ، أنهم كانوا يكرهون المدحة ، ويغضبون على المادح ، أما أحد الخلفاء فإنه سأل رجلا عن شيء ، فقال له الرجل : أنت يا أمير المؤمنين خير مني وأعلم . فغضب عليه وقال : إني آمرك أن تزكيني . وقيل لبعض الصحابة : لن يزال الناس بخير ما أبقاك اللّه . فوجد من قول المادح وقال : إني لم أحسبك عرافا « 2 » وما يدري ما يغلق عليه بابه من أهله .
وبلغنا أن رجلا مدح بعض السلف ، فغضب الممدوح وقال : « اللهم إن عبدك هذا تقرب اليّ بمقتك ، فأشهدك على مقته » . فهؤلاء الأخيار كرهوا المدحة ، وغضبوا على المادحين وجلا من ضررها ، وأنت تزعم أن فرحك بالمدحة لا يضرك ؟
أف لك ! ! ما أبعد شبهك بالقوم .
ويحك ! ! إن الصحابة أبغضوا المدحة وإنك لترتاح إليها ، وغضبوا على المادح الصادق في مدحتهم ، وإنك لتود المادح الكاذب المفرط في مدحتك ، ورضوا بالمذمة وهم أطهر الناس منها ، وإنك لتغضب وتأنف من المذمة ، وأنت أولى الناس بها ، ورحموا الذام ، وعفوا عنه ، وإنك لتحقد عليه ، وهذا من خبايا النفوس للعابدين ، وأنت في غفلة ، ودهيت وما تشعر .
أيها المغرور : أترى نفسك طمعت فعملت على الإخلاص ، لتستوجب الثواب من اللّه عز وجل ، ثم لم تأخذ بعد ذلك نصيبا من الفرح بالمدحة ، والقدر والتعظيم في الدنيا ، لتنال ثواب العاجل والآجل ، بئس ما منتك نفسك .
هامش
( 1 ) في الأصل : على المعارج . تحريف .
( 2 ) في الأصل : عرافيا . خطأ .