قال الشاعر :
ألا ربّ خصم ذي فنون علوته * وإن كان ممن يشبه الحق باطله
وقال بعض الحكماء : البلاغة إظهار ما غمض من الحق ، وتصوير الباطل في صورة الحق .
حدّثنا القاسم بن سلام « 1 » قال : حدّثنا أبو عبد اللّه الفزاري ، عن مالك بن دينار « 2 » ، قال : « ما رأينا أحدا أنفق من الحجاج ، إن كان ليرقى المنبر « 3 » فيذكر إحسانه إلى أهل العراق ، وصفحه عنهم ، وإساءتهم إليه ، حتى أقول في نفسي : إني لأحسبه صادقا ، وإني لأظنهم كاذبين ظالمين له » . فهذا من البيان الذي كأنه سحر يسحر العقول حتى تميل إلى قوله .
ومثل هذا قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه يبغض البليغ من الرجال » « 4 » . فلم يذم البيان عن الحق بالإخلاص بغير تشقيق ، ولا مدح العي عن الحق ، وترك البيان له للمريد ، ولكن ذم البيان الذي جاوز المقدار ، كما ذم التقتير والسرف « 5 » ، ومدح الجود بغير سرف ، والامتلاك بغير تضييع للحق ، ولا تقصير عن الفضل ، فمدح البيان لا غلوّا ولا تقصيرا ولا خطلا « 6 » ، كما حبس عمر رضي اللّه عنه الأحنف بن قيس ، لما سمع بلاغته ، فحبسه سنة مخافة أن تكون بلاغته على غير صدق ، ثم قال بعد سنة : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « احذروا منافقا عليم اللسان » « 7 » . فإذا أنت لست منهم .
فعلم منه بلاغة قول مع حسن إيمان وصدق ، وإنما نهاه عن المراء والتزيد ،
هامش
( 1 ) انظر ترجمته في الأعلام 5 / 176 ، وفي تذكرة الحفاظ 2 / 5 ، وفي تهذيب التهذيب 7 / 315 ، وابن خلكان 1 / 418 .
( 2 ) هو مالك بن دينار البصري ( توفي 131 ه - 748 م ) أبو يحيى من رواة الحديث ، كان ورعا ، يأكل من كسبه ، ويكتب المصاحف بالأجرة . توفي في البصرة . الأعلام 5 / 260 - 261 ؛ ووفيات الأعيان 1 / 440 ، وحلية 2 / 357 .
( 3 ) المنبر : مكان مرتفع ، أو مرقاة يرتقيها الخطيب أو الواعظ في المسجد وغيره ليخاطب الجمع ( ج ) منابر .
( 4 ) سبق تخريجه .
( 5 ) قتر على عياله : ضيّق عليهم في النفقة . السّرف : مجاوزة الحدّ .
( 6 ) الخطل : الخفة والسرعة . و - : الكلام الفاسد الكثير المضطرب .
( 7 ) أخرجه أحمد بن حنبل 1 / 22 .