قال محمد بن المنكدر : أراد أن يستعمل أحدهما على بني تميم ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه استعمل فلانا ، وقال عمر : يا رسول اللّه استعمل فلانا . فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « أما إنكما تختلفان علي أحيانا » . فنزل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ الحجرات : 1 ] . وأنزل في نداء القوم :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
[ الحجرات : 4 ] .
وبلغنا أنهم قالوا : يا رسول ، إنا نحب أن تأذن لخطيبنا فيخطب ، ولشاعرنا فينشد .
فقام عمرو بن الأهتم ، ولبيد بن عطارد ، فقال : الحمد للّه الذي له الفضل علينا وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكا ، وجعل لنا أموالا عظاما ، نفعل فيها بالمعروف ، فمن له مثل أموالنا ، ومن له مثل فعالنا ، ألسنا نروي عن العرب ، ونروي فضلهم ، وإنا لنستحي من الإكثار فيما أعطانا .
ثم كان قوله : « إنّ من البيان لسحرا » « 1 » أن قاله حينما وفد إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قيس بن عاصم ، وعمرو بن الأهتم ، والزبرقان بن بدر ، فقال عمرو عن الزبرقان : « إنه مانع لحوزته ، مطاع في أنديته » . فقال الزبرقان : حسدني يا رسول اللّه ، ولم يقل الحق ، فإنه ليعلم أنني أفضل مما قال . فغضب عمرو وقال : « هو واللّه زريّ المروءة ، ضيق المنطق ، لئيم الخال » . فنظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عمرو ، فقال : يا رسول اللّه ، رضيت فقلت أحسن ما علمت ، وغضبت فقلت أسوأ ما علمت ، وما كذبت في الأولى ، ولقد صدقت في الآخرة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ من البيان لسحرا » .
قال أبو عبيد : أخبر أنّ البيان يذم فيقول الحق ، ويمدح فيقول الحق ، وإن من البيان ما يصوّر الباطل في صورة الحق ، حتى يسحر العقول ، فتعتقد في الباطل أنه حق .
هامش
( 1 ) أخرجه مالك في ( الموطأ 986 ) ، وأبو داود في ( السنن 5007 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 4 / 263 ) ، والبيهقي في ( السنن الكبرى 3 / 208 ) ، والحاكم في ( المستدرك 3 / 613 ) ، والبغوي في ( شرح السنة 12 / 363 ) ، والتبريزي في ( مشكاة المصابيح 4783 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 4 / 182 ؛ 6 / 212 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 230 ؛ 2 / 174 ) ، وابن حجر في ( فتح الباري 9 / 201 ؛ 10 / 237 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 3 / 224 ) ، والهيثمي في ( مجمع الزوائد 8 / 117 ، 123 ) ، ( خلال 235 ) ، والربيع بن حبيب في ( المسند 1 / 13 ) ، وأبو نعيم في ( تاريخ أصبهان 1 / 146 ) ، والألباني في ( السلسلة الصحيحة 3 / 226 ) ، وابن عبد البر في ( التمهيد 3 / 250 ؛ 5 / 169 ، 170 ، 172 ، 173 ، 174 ) ، وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق 1 / 369 ؛ 6 / 425 ) ، والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 10 / 349 ) والعقيلي في ( الضعفاء 1 / 300 ) .